تفجيرات الدار البيضاء.. نقمة قد تكون فيطيها نعمة
العربى الرحالي


يتجه عدد من المراقبين الى اعتبار السادس عشر من آيار ـ مايو الجارى بالنسبة للمغرب بمثابة الحادى عشر من ايلول ـ سبتمبر 2001 بالنسبة للولايات المتحدة.. وذلك من حيث التغيرات الهامة السياسية والاعلامية والاجتماعية التى سيفرضها، وهى تغيرات بدأت ملامحها الاولية تبرز على اكثرمن صعيد. وكانت التظاهرة الاكبر فى تاريخ المغرب الحديث، التى تحركت فى قلب العاصمة الاقتصادية المغربية، الدار البيضاء، صباح الأحد الماضى مناسبة لالتقاط مقدمات التغيير الذى يمكن ترقبه فى المغرب خلال المرحلة القادمة. ومن تلك المقدمات المشاركة الشعبية الواسعة، والتنوع اللافت للانتباه. فقد سار فى التظاهرة سكان من مختلف احياء الدار البيضاء الراقية والمتوسطة والفقيرة الى حد البؤس ومنها احزمة البؤس التى ينتمى اليها معظم الانتحاريين الذين نفذوا تفجيرات الجمعة الأسود وسار الى جانب هؤلاء مواطنون ومواطنات من مدن مغربية مختلفة. وكان التنوع غير مسبوق ضم مجمل الاحزاب السياسية والهيئات النقابية، وجمعيات الفنانين والشعراء والمحامين والاطباء.. والجمعيات النسائية والشبابية والتربوية والرياضية والثقافية بما فيها الجمعيات الأمازيغية.. الى جانب ممثلى الطائفة اليهودية المغربية.. وتقدم التظاهرة افراد اسر ضحايا تفجيرات الجمعة الاسود ، وعلى الرغم من تعدد اللغات العربية الفصحى والعربية الدارجة والامازيغية والفرنسية وتعدد الشعارات.. فان ما كان يوحد مكونات التظاهرة هو طابعها المتمدن العالي، وصرامتها الشديدة تجاه الارهاب وتجاه كافة الجهات التى تغذيه بخطابها التحريضي، وتتستر عليه.
ولقد غابت عن تظاهرة الدار البيضاء اساليب العسكرة والتجييش التى كانت تعتمدها التنظيمات الاصولية بصورة اعتيادية فى التظاهرات السابقة التى كانت تشارك فيها.. ومقابل هذا الغياب كانت العفوية والتلقائية غلابة.. وكان حضور النساء بمختلف فئاتهم.. الى جانب الاطفال المرافقين لأفراد اسرهم.. حضوراً متميزاً.
وكان الغالب الاكبر عن تظاهرة الدار البيضاء هو حزب العدالة والتنمية الاصولى الذى اعلن ان السلطات العمومية طلبت منه الامتناع عن المشاركة فى التظاهرة المذكورة تجنبا للاحتكاك مع العديد من مكوناتها الذين يحملون الحزب المذكور المسئولية فى نشوء ظاهرة الارهاب فى المغرب، والحقيقة ان هذا الحزب حديث العهد بالعمل السياسى المشروع قانونياً وصاحب النتيجة الانتخابية المثيرة التى وضعته فى المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاعد النيابية التى حصل عليها فى نهاية سبتمبر ـ ايلول الماضي.. تعرض بعد السادس عشر من الشهر الجارى لحملات عاتية ترددت اصداؤها فى الصحف، وتركز عليها جزء هام من شعارات تظاهرة الدار البيضاء.
وكانت العديد من الاحزاب السياسية والجمعيات المدنية، وفى مقدمتها الجمعيات النسائية، المصنفة فى الاطار العام لليسار قد ناهضت اعتماد حزب العدالة والتنمية، باعتباره حزبا سياسيا، على استغلال ماهو مشترك بين المغاربة وهو الدين الاسلامى لحسابه الخاص، والانطلاق من ذلك فى ترويج خطاب مكفر، صراحة او ضمنا لقوى اليسار المغربي، ومشهر بمظاهر انفتاح المجتمع المغربي، ومحرض ضد عدد من انماط العيش غير التقليدية، ومناهض لعدد من الحقوق النسائية التى اصبحت امراً عادياً فى بلدان عربية واسلامية مثل تونس، وعندما انفجرت العمليات الارهابية فيقلب الدار البيضاء ليلة الجمعة السوداء .. لم تتردد قوى اليسار المغربى فى التذكير بما سبق ان نبهت اليه، ولم تتلعثم فى تحميل المسئولية لحزب العدالة والتنمية.
وفى نفس السياق.. احدثت قوى اليسار فى العام الماضي، ضجة كبرى حول الممارسات المالية المثيرة للشبهة التى كان يقوم بها بعض قادة حزب العدالة والتنمية من خلال جمع التبرعات من أجل البوسنة وفلسطين دون اعتماد ما يفرضه القانون.. وخاصة فى مجالى التدقيق والشفافية، وعلى الرغم من اهمية المخالفات المثارة. فإن السلطات العمومية لم تتدخل فى الامر.
ولكن الأهم من هذا، وذاك هو الموقف الهجومى الذى اعتمده حزب العدالة والتنمية فى مواجهة ما اعلنت عنه السلطات المغربية فى ربيع السنة الماضية حول اكتشاف خلية تابعة لتنظيم القاعدة.
وشن الحزب المذكور يومها حملة شعواء ضد الاجهزة الأمنية، ولم يكتف باتهامها بالاختلاق.. بل اتهمها كذلك بالزج بالمغرب فى معركة ليست معركته.. بل معركة الولايات المتحدة الامريكية.
وواصل الحزب سالف الذكر نفس الموقف الهجومى فى الصيف الماضي، عندما اعلنت السلطات الامنية ان سلسلة من جرائم القتل الغامضة.. قد تم تفكيك ألغازها.. والقاء القبض على بعض مرتكبيها الذين يتسترون وراء الاسلام، ولم يقف قادة العدالة والتنمية عند انكار حصول اعمال قتل بمبررات دينية.. بل سارعوا الى تحمل مسئولية الدفاع امام المحاكم عن المتهمين بالقتل.
والى جانب ذلك.. اندفع قادة الحزب المذكور فى شن حرب شعواء ضد مشروع قانون الارهاب الذى قدمته الحكومة الى البرلمان فى دورته الاستثنائية خلال مارس ـ آذار الماضي، والمثير فى الامر أن هذا الحزب، حين حاول التكيف مع الوضع الجديد بعد الجمعة السوداء .. وسعى الى ادانة الاعمال الارهابية.. لم يفلح فى مأموريته.. فعلى الرغم من تغيير موقفه من مشروع قانون الارهاب.. فانه اعلن اعتراضه على مواد من ذلك المشروع، وهو اعتراض يثير الشبهة، لأنه يرفض اعتبار عدم التبليغ عن الجرائم الارهابية جريمة، ويرفض تشديد الرقابة والعقاب على تمويل الارهاب، ويرفض منح الوقت المطلوب للحراسة النظرية، ويرفض، كذلك التفتيش الاستثنائى لبيوت المتهمين بالاعمال الارهابية.. وداخل خارج التوقيت الاداري.
وبعد ان لجأت الحكومة المغربية الى مادة دستورية تفرض التصويت على المشروع جملة بالرفض او القبول او الامتناع.. اضطر حزب العدالة الى التصويت الايجابى الشمولى لصالح المشروع.. بعد ان كشف نقطة ضعفه بصورة مجانية من خلال اعتراضه، فى اللجنة البرلمانية المختصة، عن المواد السالفة المثيرة للشبهة.
واذا كانت مواقف قوى اليسار السياسية والنقابية والمجتمعية لاتتضمن جديداً فى رؤيتها لحزب العدالة والتنمية.. بقدر ما تتضمن جرأة اقوى ومصداقية اكبر.. فان اللافت للانتباه هو موقف السلطات المغربية على اعلى المستويات.
وكانت السلطات المذكورة خلال العقود الثلاثة الاخيرة قد اعتمدت ما اعتمدته بعض الانظمة العربية التى شجعت الحركات الاصولية، ودعمتها ووجهتها واستخدمتها فى الحد من توسع القوى اليسارية.
ويبدو ان وزير داخلية الراحل الملك الحسن الثاني.. قد طور هذه السياسة على نطاق واسع، وانتقل بها من مجرد مضايقة ومنافسة اليسار المتطرف.. الى منافسة القوى الوطنية والديمقراطية المعتدلة.. وخاصة بعد انتقال هذه القوى الى مباشرة المسئولية الحكومية سنة 1998 وحدوث فراغ فى موقع المعارضة.
واذا كانت السياسة المذكوة تحتفظ لنفسها بوسائل الضبط والتحكم فى الحركة الاصولية المستخدمة مباشرة فى المنافسة السياسية للقوى الديمقراطية، او المستخدمة فى التهديد والترهيب.. وهى وسائل تتمثل فى التسرب والتغلغل وصولاً الى مراكز القرار، وتتمثل فى الصفقات الصريحة. كما تتمثل فى الاحتياطات القانونية، وفى هذا السياق يجدر التنبيه الى ان السلطات المغربية، وان كانت تغض بصرها عن الامر الواقع المتعلق بنشاط التنظيمات الاصولية المختلفة.. فانها لا ترخص لها قانونيا لممارسة ذلك النشاط، بل ان اصوليى حزب العدالة والتنمية الذين اعلنوا عن رغبتهم فى العمل السياسى من خلال المؤسسات الموجودة.. لم يسمح لهم بتأسيس حزب سياسي.. بل سمح لهم باستخدام حزب سياسى عتيق يرأسه احد المرتبطين بالدولة بأكثر من رباط، ويتعلق الامر بالدكتور الخطيب وحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذى غير اسمه سنة 2000 ليحمل اسم حزب العدالة والتنمية.
اذا كانت تلك السياسة تحتفظ بوسائل الضبط والتحكم.. فان ذلك لايمنع دائما انقلاب السحر على الساحر.. وتطور الامر الى ما يعصف بالمصالح العليا للبلاد ويهدد استقرارها.. ويحزب اوراشها ومشاريعها الاقتصادية الكبري.
ويلتمس بعض المحللين العذر للسلطات المغربية ولوزير الداخلية الاسبق والاشهر السيد ادريس البصرى قائلين ان الولايات المتحدة الامريكية بمراكز تخطيطها الاستراتيجى المتعددة قد عانت من انقلاب السحر الاصولى عليها.. بعد ان اصبحت هدفا لصنيعة مخابراتها السابق اسامة بن لادن، ولكن هؤلاء المحللين يتناسون اولا الانتصارات الكبيرة التى حققتها واشنطن بفضل استخدامها للاصولية الاسلامية ضد اعدائها السوفيات.. ويتناسون ثانياً ان واشنطن تلاعبت بالحركة الاصولية الاسلامية باعتبارها قوة خارجية.. ولم تتلاعب بقوة داخلية امريكية مماثلة، ولم تتحايل على التوازنات السياسية القومية الامريكية.
وكيفما كان الامر.. فان تجربة اقامة التوازنات السياسية المصطنعة.. والتحالف مع القوى والايديولوجيات غير المأمونة الجانب.. قد اعطت ثمارها المغربية المرة، ولابد من استخلاص الدروس واستدراك الامر.
بالاضافة الى ما اكدته وجسدته تظاهرة الدار البيضاء، وما سبقها من عشرات الوقفات والتظاهرات..فان السلطات العمومية المغربية من جانبها تبدو جادة فى مراجعة التجربة على المستوى السياسى اولاً باحترام المبادئ، والقوانين المنظمة لعمل الاحزاب السياسية وخاصة منها ما يحرم تكوين الاحزاب على اساس ديني، ويمنع استغلالها لدين الدولة، ويفرض الرقابة على مصادر تمويلها، ولقد اطلقت اشارات عميقة الدلالة فى هذا الاتجاه من طرف الوزير الأول، ومن طرف وزير العدل.. بل ان الامين العام لحزب العدالة والتنمية نفسه لم يتردد فى انتقاد وتسخيف بعض القادة الاصوليين للحزب.. واصفا زعيمهم العقائدى بالأحمق، وواصفا رئيس فريقهم النيابى بالطائش، وبرز الموقف السلبى الجديد للسلطات المغربية من حزب العدالة والتنمية من خلال امتناع القناتين التليفزيونيتين عن تمرير تصريحات قادتهم ومواقفهم من الاعمال الارهابية الأخيرة.
والى جانب ذلك.. تتجه السلطات المغربية رغم صعوبة المهمة، الى الاهتمام بالاحياء الهامشية واحزمة البؤس.. من خلال فتح اوراش كبرى تتعلق بالسكن، ومن خلال اقفال المساجد العشوائية التى اقامها المتطرفون، وكذلك من خلال ابعاد الغلاة عن امامة المساجد، وتشجيع العمل الجمعوى التربوى والثقافى والرياضى فى تلك الاحياء والاحزمة.
على أساس ما سبق يمكن القول ان فى طى نقمة الارهاب الاعمى الذى ضرب الدار البيضاء نعمة تبعث على الاستدراك والتقويم والتصحيح.. وتدفع المغاربة الى تحصين مجتمعهم وبلادهم ضد ظاهرة الغلو الدينى المؤدى الى التدمير.