القضية الفلسطينية بعد 11 أيلول
كميل حبيب
جريدة اللواء
الجمعة، 29 آذار / مارس 2002
في الحادي عشر من أيلول 2001 دخلت العلاقات الدولية برمتها في مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن كل المراحل التي سبقتها منذ عقود او ربما منذ قرون عديدة· ولقد ذهب البعض في تحليلاتهم الى حد القول: "ان العالم بعد 11 ايلول هو غير العالم قبل ذلك التاريخ"·

الحقيقة انه يمكن اعتبار ما حصل ذلك اليوم المشؤوم على كونه حدثاً عولمياً او معولماً (Globalized) لأن تداعياته قد تطال، او طالت، النظام العالمي بمجمله لتعيد تشكيله على غرار ما حدث في اعقاب الحرب العالمية الثانية او بعيد انهيار الامبراطورية السوفياتية· ويمكننا ملاحظة ذلك على النحو التالي:

1- لقد اقحم الحدث الولايات المتحدة في قلب السياسة الدولية مرة اخرى بعدما كانت تميل الى الانعزال عن العالم والالتفات الى شؤونها الداخلية اكثر فاكثر في السنوات الاخيرة· ولقد جاء فوز بوش الابن بالرئاسة الاميركية تكريماً للنزعة المحافظة في السياسة الخارجية· وقد تمثلت هذه النزعة في الانسحاب من اتفاقية كيوتو للبيئة، وعدم التصديق على معاهدة الحد من انتشار الاسلحة البيولوجية، ثم اخيراً الغاء معاهدة الحد من انتشار الصواريخ العابرة للقارات· وفجأة، اي بعد 11 ايلول 2001، وجدت واشنطن نفسها تخوض حرباً من نمط جديد، وتقود تحالفاً دولياً كبيراً يضم قوى ودولاً مختلفة· فلقد قرّب الحدث بين روسيا تحديداً والولايات المتحدة تحت شعار "مكافحة الارهاب"· وحتى الهند، التي تعتبر جزءاًً من التراث الغابر للعرب، لم تتردد عن الانخراط في الجهد الاممي بقيادة واشنطن للتصدي للارهاب·

2- وفرت احداث 11 ايلول 2001 فرصة ذهبية لواشنطن لاعادة ترتيب جدول الاولويات العالمي، ووضع قضية ما يسمى بـ "مكافحة الارهاب الدولي" على رأس ذلك الجدول، واستغلال فرصة التوافق العالمي على ادانة جريمة نيويورك لتمرير اجراءات اخرى لا تعبأ بسيادات الدول وتسهل عمليات التدخل في شؤونها الداخلية· ولقد بدت هذه الاجراءات سهلة التناول والتطبيق مع اعلان الرئيس بوش الحاسم عن انقسام العالم الى "من معنا ومن مع الارهاب"، لتبدو واشنطن "كنيابة عامة دولية" تقف على رأس نظام عالمي ينبغي على الاخرين اما الانخراط فيه او البقاء على هامشه مع ما يتطلب هذا الموقف من مجازفة بمصالحهم المستقبلية·

ومع توجيه اصابع الاتهام الاميركية الى تنظيم "القاعدة" وزعيمه اسامة بن لادن بالوقوف وراء الهجمات الارهابية، ومع اعلان بن لادن فيما بعد بان "لا امن لاميركا بلا امن لفلسطين"، دخل الشرق الاوسط ومعه القضية الفلسطينية في قلب الاعصار الاميركي· فبدل عزل احداث 11 ايلول عن جوهر العلاقات الاميركية مع العالمين العربي والاسلامي، ارتفعت اصوات تطالب بالثأر من العرب والمسلمين، واجتاحت ردود فعل غرائزية الشارع الاميركي ضد كل ما هو شرقي، وكثر الحديث عن صراع الحضارات في الاعلام الاميركي·

اخيراً، وبغض النظر عن الدعم الاميركي المطلق لأسرائيل، فإن ما وقع في ذلك اليوم المشؤوم مدان ومرفوض اخلاقياً وانسانياً ودينياً· فليس بين العرب والمسلمين من يبرر تلك الهجمات الارهابية على نيويورك وواشنطن·

وليس بين العرب والمسلمين من يدافع عن الذين قاموا بتلك العمليات، تخطيطاً وتمويلاً وتنفيذاً·

بل كان ثمة اجماع بين العرب والمسلمين على استنكار تلك العمليات الدموية بقوة وحسم·

وهناك من راهن من اهل الحكمة والتبصر ان احداث ايلول قد تكون منعطفاً للسياسة الاميركية المنحازة الى جانب اسرائيل والتي اعتمدت سياسة المكيالين في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ابان العقد الاخير من القرن العشرين· الا ان المواقف الاميركية فيما يخص القضية الفلسطينية لم ترتفع الى حجم ومستوى المأساة التي حلت بالشعب الاميركي، ولم تلتزم دائماً بقواعد الشرعية الدولية حتى غدا العالم بأسره اسير سياسة القوة المتحررة من اية رقابة قانونية دولية·

في هذا السياق المأسوي كيف يبدو المشهد في الشرق الاوسط بعد الحادي عشر من ايلول؟

مع انهيار برجي التجارة العالمية، بدأت الولايات المتحدة بشن حرب طويلة وصعبة ومعقدة، تخوضها على جبهات متنوعة اعلامية ومالية واقتصادية وعسكرية وديبلوماسية، في هذا السياق الاخير بدأت دوائر وزارتي الخارجية والدفاع الاميركيتين نشر لوائح تتضمن اسماء حزب الله وحركتي حماس والجهاد الاسلامي كمنظمات ارهابية المطلوب مواجهتها وتجميد اموالها، في المقابل كان الموقف العربي شديد الوضوح في الاعلان عن اهمية التمييز بين اعمال المقاومة المشروعة في مواجهة المحتل وبين الاعمال الارهابية· كما ان قادة الدول العربية لم يتركوا فرصة الا وعبروا فيها عن ضرورة ابراز هذا التمييز في التعامل مع الاحداث· كما طالبوا بضرورة عقد مؤتمر دولي برعاية الامم المتحدة يحدد مفهوماً موحداً للارهاب وانواعه·

من جهتها تعمدت واشنطن منذ عشرات السنين افشال اي مشروع لعقد مؤتمر دولي تحت اشراف الامم المتحدة يبحث فيه المختصون تحديد مفهوم موحد لأعمال العنف التي توصف ارهاباً، وبالتالي تمييزها عن اعمال مقاومة المحتل، وبالطبع يعود الرفض الاميركي لأسباب سياسية، اي حتى لا تدرج ممارسات ارهابية الدولة ضمن القائمة او المفهوم المحدد للارهاب·

فهناك الكثير من الاعمال الارهابية التي قامت بها اسرائيل من اكثر من نصف قرن تندرج كلها في رأس القائمة التي تحدد مفهوم ارهاب الدولة·

تاريخياً، قدمت واشنطن عدة تعريفات للارهاب نذكر اهمها:

1- التعريف الاول قدمته وكالة المخابرات الاميركية (CIA) التي عرفت الارهاب بانه عنف يهدف الى تحقيق اهداف سياسية عن طريق نشر الرعب لإجبار الطرف الاخر على اتخاذ موقف معين او الامتناع عن اتخاذ موقف معين·

2- التعريف الثاني للارهاب تضمنه التقرير السنوي لوزارة الخارجية الاميركية لعام 2000، حيث لاحظ التقرير المذكور آن عبارة الارهاب تعني "عنفاً سياسياً ومخططاً يجري ضد اهداف غير مقاتلة تقوم به مجموعات سرية تريد عادة التأثير على جمهورها"·

يستدل من هذين التعريفين آن الارهاب يستعمل عادة للادانة فقط، فإذا ما تم الصاق تهمة الارهاب بعدو ما في دائرة الصراع السياسي، فإن ذلك يعني تحقيق انتصار للطرف المتهم ولكن على حساب المنهجية العلمية الضرورية لفهم طبيعة الحرب والسلام وما بينهما من شعارات ثورية وحركات استقلالية مشروعة الخيار والاهداف· بمعنى آخر، ان كلمة ارهاب تبقى عائقاً امام عملية فهمنا للاضطرابات الاجتماعية والسياسية· وعليه، فالتعريف الاميركي للارهاب لم يشرح اسباب الادانة او حيثيات التبرير للعمل الارهابي، فما هو ارهابي من جهة نظر دولة معينة هو عمل مقاومة مشروعة من وجهة نظر دولة او شعوب اخرى·

نبقى في دائرة الصراع السياسي لنشير الى ان كل المواقف الاميركية فيما يخص القضية الفلسطينية قد برزت على خلفية التحالف الاميركي - الاسرائيلي، وليس فقط على خلفية الخلط الاميركية بين الارهاب ومقاومة الاحتلال المشروعة، فبعد الضوء الاخضر الاميركي لأرييل شارون بالرد على الانتفاضة "بالشكل الذي يراه مناسباً"، استطاعت واشنطن بما تملك من سطوة دولية، استصدار قرار من مجلس الامن حمل الرقم 1373 يحدد آلية صارمة لمحاربة الارهاب ويوفر، بالتالي، لشارون غطاءً دولياً لاستكمال خطته بتصفية القضية الفلسطينية· واننا نجد ثمة مجموعة ملاحظات على هذا القرار نوردها على النحو التالي:

1- ان القرار المذكور لم يحدد مفهوم الارهاب حتى يحدد سبل مكافحته· على ذلك، فإن القرار اعتمد عقوبات على جريمة الارهاب دون تحديد اركان هذه الجريمة·

2- جاء في القرار المذكور "تحريم قيام رعايا الدول عمداً بتوفير الاموال وجمعها، باي وسيلة بصورة مباشرة او غير مباشرة، وفي اراضيها لكي تستخدم في اعمال ارهابية في حالة معرفة انها سوف تستخدم في اعمال ارهابية".

لكن من الذي يستطيع ان يعرف هذه التفاصيل؟

اذا كانت من مسؤولية دولة معينة، كيف ستعرف هذه الدولة ان الاموال التي تجمعها جماعات مقيمة على ارضها ستستخدم في اعمال ارهابية؟

3- يقرر القرار المذكور ان على جميع الدول "الامتناع عن تقديم اي شكل من اشكال الدعم الصريح والضمني، الى الكيانات والاشخاص الضالعين في الاعمال الارهابية، ويشمل ذلك وضع حد لعملية تجنيد اعضاء الجماعات الارهابية، ومنع تزويد الارهابيين بالسلاح"·

لكن، من يجند الجمعيات الارهابية؟، ومن يزودها بالسلاح؟·

قد تتعدد الجهات التي تجند الارهابيين، وتزودهم بالسلاح، وبخاصة مع وجود سوق سوداء للسلاح في العالم·

في رأينا ان خطورة القرار المذكور فيما يخص الصراع العربي - الاسرائيلي تكمن في امرين:

1- في التهديد باللجوء الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي ينص على فرض عقوبات (يمكن ان تصل الى استعمال القوة) على الدولة (او السلطة الفلسطينية) التي ترفض التعاون في حملة مكافحة الارهاب التي اعلنتها اميركا·

2- في المهلة القصيرة (90 يوماً) التي حددها القرار لقيام كل دولة بابلاغ اللجنة المشكلة من اعضاء المجلس التدابير التي اتخذتها لتنفيذ هذا القرار··· وهي تدابير اجرائية مطلوب تنفيذها وفقاً للأتهامات والمعايير الاميركية التي اعلنتها في لوائح ثلاث حددت فيها المنظمات الارهابية·

ان خطورة القرار 1373 تكمن ايضاً في الزامه جميع دول العالم بما تقوم به اميركا من خلط واضح في قضية الارهاب· فهذا الخلط لا يميز بين المقاومة والكفاح المسلح في مواجهة المحتل من اجل تحقيق المصير، وبين الاعمال الارهابية الناتجة عن اعمال الافراد او الدول·

اضف الى ذلك، ان القرار المذكور فرض على دول العالم دون استثناء ان تسلم سيادتها الى الولايات المتحدة، كما اعطى هذه الاخيرة الحق باعلان الحرب ضد من تشاء سواء اكانت دولة او مجموعة او شخصاً·

وتماشياً مع قواعد العلاقات الاستثنائية بين واشنطن وتل ابيب، فقد اوردت اللوائح الاميركية اسم حزب الله كإحدى المنظمات الارهابية، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد تغاضت عن المسائل التالية:

1- تغاضت عن شرعية المقاومة اللبنانية في مواجهة جيش الاحتلال الاسرائيلي، والتي دامت لاكثر من عشرين عاماً، وما قول مستشارة مجلس الامن القومي، كونداليزا رايس بان اسرائيل انسحبت "طوعاً" من جنوب لبنان الا تحقيراً لدماء الشهداء الذين هم "اكرم من في الدنيا وانبل بني البشر"·

2- تغاضت عن المشروعية الدولية لهذه المقاومة التي اقرّها تفاهم نيسان عام 1996، وهو تفاهم دولي شاركت فيه الامم المتحدة والولايات المتحدة نفسها، والذي اقر عمليات المقاومة بعيداً عن الاحياء السكنية والقرى والمدن·

3- كما تجاهلت اميركا الشرعية الرسمية للمقاومة، فالدولة اللبنانية باحتضانها المقاومة ودفاعها عنها في جميع المحافل الدولية، وتقديم كافة سبل الدعم لها، منحتها شرعية رسمية وقانونية·

كذلك الامر عندما ادرجت الولايات المتحدة منظمتي حركة حماس والجهاد في فلسطين ضمن لوائح الارهاب تغاضت ايضاً عن شرعية مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، وتغاضت عن جميع توصيات وقرارات الامم المتحدة الداعية الى حق الشعوب في النضال من اجل حق تقرير المصير والكفاح ضد المحتل، اهم تلك القرارات ذلك الذي صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في كانون الاول عام 1985 والذي حمل الرقم 61/40 المتعلق بالارهاب· فلقد فرق القرار المذكور بوضوح كامل بين الارهاب الذي هو عمل اجرامي ووجه من وجوه الحرب غير المشروعة وبين الكفاح المسلح ضد الاستعمار والعنصرية والاحتلال الاجنبي، الذي هو نضال تحريري وكفاح مشروع يستند الى مبدأ تقرير المصير للشعوب المكرس في ميثاق الامم المتحدة·

وباختصار، لقد تبنت ادارة الرئىس بوش الموقف الشاروني كاملاً وباتت تتعامل مع الانتفاضة كأنها "القاعدة"، وتصور السلطة الفلسطينية "كطالبان"، بعدما خاب املها في ان تكون السلطة بالنسبة لإسرائيل ما كانه الجنرال برويز مشرف لاميركا في الحرب على افغانستان·

فإدارة الرئيس بوش لا تحمّل الرئىس عرفات "مسؤولية العنف" فحسب، بل وتتفهم احتجاز شارون له في رام الله، كما تتفهم "حاجة اسرائيل للدفاع عن نفسها"، و"تدرس" احتمال قطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية باقفال مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وتقدم "ادلة" لقادة مصر والسعودية والاردن عن "تورط السلطة في تهريب الاسلحة"، وتدعو الرئيس صدام حسين الى اخذ التهديدات على محمل الجد اذا رفض عودة مفتشي الامم المتحدة المكلفين ازالة اسلحة الدمار الشامل·

وهكذا تكون احداث 11 ايلول 2001 قد فتحت الباب امام واشنطن لموافقة اسرائيل على كل ما تقوم به، ويمكننا ملاحظة ذلك على النحو التالي:

اولاً: فلقد اعتبر احد الديبلوماسيين في البعثة الاميركية لدى الامم المتحدة الكلمة التي القاها ممثل البعثة السورية خلال مناقشة في مجلس الامن عن مكافحة الارهاب "مهينة" لانه قارن بين تدمير الجيش الاسرائيلي منازل الفلسطينيين وتدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك·

ثانياً: تعهد الرئىس بوش في خطابه عن "حالة الاتحاد" بمواصلة الحرب ضد ما اسماه "بمحور الشر" الذي يضم دولاً مثل ايران والعراق، وتنظيمات مثل حزب الله وحماس والجهاد وجيش محمد· وبذلك يكون الرئيس الاميركي قد وضع الاسس لمسرح العمليات العسكرية ضد كل من يقاوم الاحتلال الاسرائيلي· اما فيما يهم الولايات المتحدة، بحسب تقديرات ديك تشيني، ليس تقاعس السلطة الفلسطينية في مكافحة الارهاب بل "العلاقة الجديدة بين مثلث السلطة الفلسطينية وحزب الله وايران"·

هذه القراءة السريعة للمشهدين السياسي والعسكري لمنطقة الشرق الاوسط بعد 11 ايلول 2001 تدفع المراقب لتسجيل الملاحظات التالية:

1- اننا نعيش في عالم يتحكم في مساره "حق القوة" سبيلاً لفرض تسويات غير عادلة سوف تؤجج لأستمرار الصراعات الى ان يحسمه فارق القوة بين اطرافه··· وفي رأي الرئيس سليم الحص: "ان اخطر ما ترتب على الحرب المفتوحة المعلنة على الارهاب من تداعيات على المستوى الدولي" هو تغليب دور الاجهزة الامنية والمخابراتية في ادارة العلاقات الدولية· اما وزارات الخارجية بمن فيها من ديبلوماسيين فمن المحتم على ما يبدو ان يتراجع دورها ليغدو الى حد بعيد رديفاً ورافداً للعلاقات الامنية والمخابراتية· ولا حاجة للتذكير بالاثار السلبية التي سوف تخلفها تلك التدابير والاجراءات الامنية على كل الانشطة الديبلوماسية العاملة على حل الازمات الدولية بالطرق السلمية·

2- لقد تمكنت واشنطن من استغلال احداث 11 ايلول 2001 لفرض نفسها سلطة مطلقة على الساحة الدولية، وتنصيب نفسها الشرطي الدولي الوحيد المكلف حماية الامن والسلام الدوليين، والاستئثار بحق تعريف الارهاب··· مع ما في ذلك من استباحة للقيام باعمال عسكرية او التهديد بها ضد من تشاء من غير مراجعة الامم المتحدة، ولو شكلاً، اما العدو في هذه الحرب فهو الارهاب الذي بقي من دون تعريف دقيق لمضمونه·

3- مع استمرار الاصطفاف الاميركي الى جانب ووراء اسرائيل في عدوانها المتمادي على العرب، يبدو جلياً ان الكيان الصهيوني كان وسيبقى الاداة الوظيفية الاولى للغرب· وعليه، فواشنطن على كامل الاستعداد لمحاربة كل من يعادي اسرائيل واتهامه بالارهاب· فواشنطن لا تملك سياسة او استراتيجية ذاتية حيال الشرق الاوسط، بل ثمة سياسة او استراتيجية اسرائيلية تتبناها اميركا وتطبقها من دون تردد او تحفظ او تساؤل·

4- يجب الاعتراف ان تداعيات الحادي عشر من ايلول على المستوى العربي ينبع من نجاح اسرائيل في استغلال وتصوير الانتفاضة الفلسطينية بأنها ظاهرة ارهابية· وفي الجانب الاخر، لم يدرك قادة الانتفاضة ان العمليات الاستشهادية لم تعد تفي بالغرض بعد 11 ايلول 2001، وانه قد حان الوقت للتحصن بالبندقية الذكية، والتفكير في التوقيت والجدوى وموازين القوى ووضع الخصم والمواقف الدولية ومتانة الداخل الفلسطيني· فالمأزق الذي تواجهه الانتفاضة اليوم يتجسد في ثنائية التناقض المنسجم التالية:

- استحالة وجود سلطة فلسطينية ليست اداة امنية لاسرائيل·

- واستحالة تعايش الانتفاضة مع سلطة قبلت، ومنذ اتفاق واي ريفر، القيام بمهمة تصفية الانتفاضة وتفكيك بنيتها التحتية·

والمتوقع هو ان تتراجع الانتفاضة عن هدف انجاز الاستقلال المنقوص الى تلمس طريق النجاة عبر القبول بمعادلة لجنة ميتشل القائلة بوقف العنف الفلسطيني مقابل وقف بناء المستوطنات الصهيونية·

5- ان تصنيف حزب الله حزباً ارهابياً يهدف الى اجبار الحزب على التخلي عن بندقيته الذكية والاكتفاء بما حققه حتى 25 ايار 2000 كنهاية لتاريخه النضالي··· بانتظار التسوية على المسارين اللبناني والسوري·

ان ما يقلق الدوائر الاميركية والاسرائيلية يكمن ليس فقط في ممارسة حزب الله لحقه في المقاومة المسلحة، بل ايضاً في عدم انزلاقه الى ممارسات غير محسوبة العواقب قد تحول الجنوب الى ساحة حرب غير متكافئة وفي غياب استراتيجية عربية موحدة وشاملة·

6- لقد اخطأ البعض في الاعلان ان القضية الفلسطينية كانت السبب غير المباشر وراء الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة· الحقيقة هي ان تنظيم "القاعدة" بفعلته الظلامية قد اخطأ في تحديد عناوين اعداء القضية، لان طريق تحرير فلسطين يمر عبر تدمير تل ابيب وليس نيويورك، اما الخطأ الاميركي فيكمن في تقسيمها للعالم الاسلامي بين "امة الاسلام" والانظمة الحليفة· وهذا ما سوف يساعد بن لادن على تحقيق هدفه غير المعلن في خلق اضطرابات داخل الدول العربية والاسلامية، وتالياً، في توريط واشنطن نفسها في حروب الاخرين الاهلية·

7- اما الرد العربي العملي على هذه الحرب المعلنة فيكمن برأينا في ما يلي:

أ- الغاء الاتفاقيات الموقعة من قبل بعض الدول العربية واسرائيل، او تعليق الالتزام بها كحد ادنى·

ب- اعتراف الدول العربية بشرعية دولة فلسطين على كل شبر يتم تحريره وتقديم الدعم اللازم لها·

وهذا ما كنا ننتظره من القمة العربية في بيروت·


* أستاذ في كلية الحقوق - الجامعة اللبنانية