|
فن التخصص عند اللصوص
بقلم :محمد الخولي
عن البيان
روى المؤرخ المصري اللبناني الأصل.. تقي الدين المقريزي (عاش حتى 1441) حكايات
شتى من تاريخ مصر منذ العصر الوسيط.. تتراوح الحكايات بين المسلية الى درجة
السذاجة وبين المحزنة الى درجة التراجيديا..
وهي ليست تراجيديا الفرد على نحو ما قد نشهده مثلا في مسرح المآسي ـ الفواجع
كما كان يقول يوسف بك وهبي في سالف الأيام ـ عند اليوناني سوفوكليس أو عند
الانجليزي ويليام شكسبير.
لقد كانت مآسي المقريزي من الوزن الثقيل. كانت فواجع جماعية أو كوارث ألمت بشعب
بأكمله هو الشعب الصابر في الشمال من وادي النيل.. وكان سببها هو نهر النيل
شخصيا وهو نهر «معجباني» متقلب الأطوار.. صاحب مزاج كما قد نسميه.. فهو أولا
يشد حيله ـ كما لاشك تعرف ـ من بحيرات وسط أفريقيا..
فيما يستمد معظم عافيته من مرتفعات الحبشة وتتدفق دماء هذه العافية هادرة ساحقة
في مجرى النيل الأزرق الذي يشكل بالطبع شريان الفيضان الذي قد يأتي في سنة
معتدلا ليحمل فيض الخير على الأرض والزرع والناس، وقد يزيد اهتياجه ورعونته
فاذا به دفق مجنون يأتي وفي أعقابه دمار الغرق ليعصف بالأرض والزرع والناس.
حكايات المقريزي الحزينة دارت حول العكس: حين كان النيل يضن في سنوات بمنسوبه
الطبيعي العاقل المعتدل.. فاذا بالماء شحيح واذا بفروع النهر تفيض واذا بالأرض
وقد أصابها داء اصطنع المصريون له مصطلح «التحاريق» وهو مستمد منحوت كما ترى من
معنى اشتعال النار ـ نار العطش والجدب والاملاق في أديم الأرض وفي كيان النبات
وبين جوانح الانسان.
لا عجب ان ترددت في كتابات المقريزي ألفاظ وعبارات وصياغات من قبيل «المواعظ
والاعتبار».. أو «كشف الغمة في اغاثة الأمة» أو «الى الله المشتكى» وبعض هذه
الصياغات استخدمها العم «تقي الدين» عناوين للكتب الموسوعية الجامعة التي توفر
على اصدارها.
يكاد «المقريزي» يودع سطوره ذوب نفسه حين يصف مأساة انقطاع أو جفاف النيل ومن
ثم اندلاع المجاعة الرهيبة التي فتكت في أيامه بالشعب في بوادي مصر وحواضرها
وأريافها.. غاض النيل وضن بمياه الفيضان التي كان ينتظرها المصريون من عام الى
عام.. كأنما فتك بالبلاد وحش أسطوري كان يغشى البيوت فيقتل البشر..
ويجتاح الحقول فيفتك بالمحاصيل ويتسلل مثل ميكروب شرير الى سريرة النفوس فيثير
في الناس أخبث ما في الانسان من شرور الطمع والجشع والأنانية الى حد التوحش،
فاذا بهم يأكلون كل شئ حتى أخسّ الدواب.. واذا بالتوحش يصل ـ كما قال المقريزي
ـ الى حد ان كان الرجل يخشى على أطفاله الصغار اذا ما دبوا في المسالك أو خرجوا
الى الحواري والشوارع خوف ان يتخطفهم الناس وقد يسدون جوعهم ـ والعياذ بالله ـ
من أجساد الأطفال (!)
على ان هناك من ينقل عن المقريزي حكاياته الطريفة أو الخفيفة ومنها ما يتعلق
بالشطار والعيارين وهو «اسم الدلع» الذين كانوا يطلقونه على اللصوص والبواقين..
ويبدو ان كل مؤرخ قد وجد في حكايات اللصوصية مادة طريفة سواء من حيث التسلية أو
المغامرة أو الجانب البوليسي الذي مازال الناس به مشغوفين..
أو حتى من حيث مساحة الوعظ والارشاد كما في قصص رواها العرب المسلمون عن وقائع
ثورة الزنج (قادها علي بن محمد وقد عاش حتى عام 883 ميلادية) أو رواها
الفرنسيون عن أرسين لوبين أو رواها الانجليز عن روبن هود، وكلها تدور حول ما
يمكن تسميته بأنه «اللصوصية ـ الشريفة» على ما في هذا الوصف من احالة منطقية،
وبمعنى ان اللص يسرق الأغنياء من أجل ان يعطي للأخوة.. الفقراء..
وربما لم يكن المقريزي بدعا من هؤلاء المؤرخين حين نقلوا عنه كيف تحدث عن فن
التخصص.. الدقيق في مضمار السرقات.. وكيف ان اللصوص تخصصات وفروع وامتيازات لا
يكاد يعدو بعضها على الآخر، بل ربما يحكمهم نوع غريب من القواعد المرعية من زمن
اللصوصية القديم..
من عهد الفراعنة مثلا.. وهو مجموعة من البنود والتصرفات التي تقضي بأن يحترم كل
«حرامي» ميدان النشاط للزميل.. الآخر.. كأنك بازاء مدونة لقواعد السلوك (كود
أوف كوندكت) كما تقول أدبيات الأمم المتحدة أو هو «ميثاق شرف الحرامية» كما قد
نتجاوز حين نسميه.
ولأن اللصوصية ـ مثل أي تنظيم للنشاط الجمعي الانساني ـ طبقات ودرجات.. فقد
يأتي على قمة تنظيمها الهرمي لصوص القصور ورؤساء «المنصر» وهو مجمع أو مثوى
اللصوص (وكم يحار المرء في اشتقاق الكلمة التي يكتبها البعض «بالسين» لتشير الى
مجمع النسور (ولكن شتان بين العقبان وكواسر الجوارح وبين اللصوص) وعند القمة
أيضا قد تجد قطاع الطرق وهم فئة قد تجمع بين جرأة المواجهة والتحدي وأخلاق
الصعاليك (مصطلح الأدب والتاريخ العربي أو سلوكيات المطاريد (مصطلح أهل الصعيد
في مصر العليا) ويصدق على المخلوعين اجتماعيا لأسباب شتى.
وبالمناسبة فقد كان قُطاع الطرق هؤلاء هم أبطال أو أعمدة فصيل معروف من فنون
الرواية الأوروبية التي نشرها مبدعوها في القرنين السابع عشر والثامن عشر في
أوروبا الغربية (انجلترا وفرنسا واسبانيا بالذات).. وقد اطلقوا على هذا النوع
من القص اسم «بيكاراسك» بمعنى روايات المغامرات التي ينتمي أبطالها في العادة
الى فئة قاطعي الطريق أو المارقين عن المجتمع الخارجين طبعا على القانون..
والاسم مشتق من اللفظة الفرنسية «بيكارو» وربما من اللفظة الاسبانية «بيكارسكو»
وتؤديان معنى المارق الذي يعيش من السلب والنهب وقطع الطريق وترويع الأمن،
ممتطيا في ذلك صهوة جواد يتيح له دوما التهرب من مساءلة القانون (كلمة بيكار
أصلا تفيد في الفرنسية والاسبانية معنى الوخز أو ان تهمز الجواد فإذا به يعدو
راكضا في عرض الطريق).
أخيرا.. وقرب أدنى درجات منظومة الحرامية تجد «الهجامين» وهم سراق المنازل حسب
أجرومية اللصوص في مصر.. والأدنى منهم والأحط قدرا في قاع القاع هم طبعا
«حرامية الغسيل» أي سراق الملابس المغسولة والمنشورة على حبال تعيسة فوق أسطح
بيوت الفقراء وأشباه الفقراء لكي تتولى الشمس مهمة تجفيفها.. وكم ازدادت تعاسة
هذه الفئة بعد ان انتشرت في البرية ماكينات الغسيل والتجفيف بطاقة الكهرباء.
ولأن المقريزي لم يكن له عهد بحكاية الكهرباء بطبيعة الحال.. فقد قيل أنه تحدث
عن فئة شديدة التخصص في ميدان اللصوصية هي فئة «سارقي.. الحمير».. وقد أسهب
الرواة في التعرض لهذا «الفن» بل حددوا قريتين بالذات في وسط دلتا النيل تخصصتا
في سرقة الحمير، ولم يكن التخصص هينا ولا أي كلام.. ولا كان يقتصر على قيادة
حمار في غيبة أو غفلة صاحبه الى منطقة وسط الدلتا..
بل كان الأمر يتعدى أيضا الى حيث يتم صبغ الحمار ـ أعزك الله ـ بلون يغاير لون
جلده الأصلي.. وحين تطلع شمس اليوم التالي.. يتحول الحيوان المسروق من الأبيض
الى الأسود، والعكس بالطبع صحيح.. ثم يساق الى حيث البيع في سوق الدواب.. وربما
يراه صاحبه الأصلي فيعجز عن التعرف على الأصل المسروق.
وليس لنا ان نأتي على ذكر القريتين من اقليم المنوفية.. الأكيد ان تخرج منهما
اليوم أساتذة ومهنيون وأكاديميون وعلماء يشار اليهم بكل بنان.. والأكيد أيضا ان
أصبحت «حكايات المقريزي» هذه أضغاثا من ذكريات ماض مخلوطة بأوهام وروايات أقرب
الى الأساطير.
لكنها لأمر ما مازالت مستقرة في قاع الذاكرة.. وربما حركتها قراءات تناهت الينا
مؤخرا عن فئة محدثة ـ بل وأحيانا معاصرة ـ من اللصوص.. الشطار بالمعنى الحرفي..
وهي فئة مزيفي الكتابات ـ المؤلفات المنسوبة لأعظم المبدعين وأكابر المؤلفين..
تلك فئة تتوسل بالمهارة والدقة وبالعلم العميق والاجرام.. العريق.. وتجني
بالطبع أرباحا فلكية وتحتاج منتوجاتها الى جهود مضنية كي تكشف عما يشوب هذه
المنتوجات من فنون التمويه والخداع في باب العلم والأدب والتاريخ.
أمرها طريف بكل مقياس.
وقد يستحق حديثا نفرده لها في مجال قريب باذن الله. |