في سبيل استشعار لحظة الانقاذ:
2003/09/01
حرية التعبير مدخل المعارضة ضد البطالة المعرفية
مطاع صفدي
عن القدس اللندنية


ما يواجه الجيل العربي المعاصر ليست الكارثة السياسية فحسب وفيما يتعلق ببنية السلطة وعلاقتها الضدية مع مجتمعاتها، بل هو ذلك الانهيار المخيف الشامل لمختلف قطاعات الحياة العامة. والافظع من ذلك هو فقدان الحدود الدنيا من استشعار المشكلات او الوعي بمدي خطورتها واستفحال اسبابها بصورة تجعل حتي اكثر المتفائلين بالتغيير يعتقدون ان الكارثة لم تعد تتوقف علي توفر ارادة للتصحيح او الاصلاح لدي المسؤولين، بل وصلت الامور الي مستوي انعدام الحلول في حد ذاتها. فلو افترضنا ان نظاما عربيا ما قد بدأ يستشعر قليلا او كثيرا خطورة الاحوال العامة المتردية، فانه ليس من السهل عليه ان يجترح امكانيات الاصلاح، وهو لا يدري من اين يبدأ، حتي لو كان بعض اقطابه يعرفون تماما ان نقطة الانطلاق انما تتفاعل من معالجة النظام لذاته، ومن عناوينه السياسية اولا. ذلك ان تعديل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، من مالك ومملوك، ومن طاغية ومظلوم، ومن مستغل فاسد وفقير ومعدوم، هذا التعديل هو المدخل الوحيد الي تصحيح بنية العلاقات والاوضاع من رأس الهرم الي قاعدته، فان لم يتغير الاستبداد السياسي لا يمكن لاية مشكلة اجتماعية او اقتصادية بل ادارية ان تنكشف آليتها كما هي وان تنتقل من دائرة الغموض والتغطية الدعاوية الي دائرة الوضوح والعلانية، ان لم يدخل المجتمع ككل الي مرحلة الشفافية التي تتيح للوعي العام التحسس بعناصر المشكلة المطروحة، وفضح اسبابها الحقيقية ثم العمل علي استنباط الحلول من قبل المختصين، ومشاركة الرأي العام في التحليل والتوضيح واقتراح الحلول.
لقد وصل المجتمع العربي المقهور في مختلف شؤون حياته، والمطعون في كرامته السياسية، الي حد اذلال انسانيته المقموعة، بحيث اصبحت مختلف المشكلات الاخري التي يعانيها اشبه بنتائج محتومة للقهر الحقوقي العام الذي آلت اليه اصول الافراد والجماعات في زمن الحرمان من الحق الاول الذي هو الحق باسترداد كرامة المواطن الحر قبل ان يكون المواطن العامل او المثقف او الموظف والمهني العادي وسواه.
فالبلد المقهور سياسيا من قبل حكامه اولا يكون مضطهدا اجتماعيا، ومحجوبا عن الرؤية النقدية في كل شؤونه الاخري. ومن هنا تتوالد مختلف المشكلات الاجتماعية وتتراكم وتتعقد آلياتها الذاتية دون ان تثير مقابلة اية اهتمامات نظامية تدفع الي معالجتها قبل وصولها الي مستوي الاستعصاء حتي علي الحلول العلمية الشاملة. لكن الحالة المروعة التي يستيقظ الوعي المتأخر علي هولها تكون قد جاوزت قابلية الاصلاح العادي، وامست تتطلب ما يعادل الثورة البنيوية الشاملة. اذ لم يعد ثمة مجال للترقيع الجزئي او ترميم ما لا يرمم، او تصحيح ما لا يصحح. ولقد انتهي جيل النهضة الثانية منذ عهد الاستقلالات الي ما يماثل هذه النتيجة وهي ضرورة الثورة البنيوية الشاملة، لكن فيما يتعلق بالمجتمع الموروث من عصر الاستعمار، والذي كان ينقصه كل شيء مدني وعصري آنذاك، ويحتاج الي اعادة بناء كاملة لدولته وكيانه معا، والآن يقف جيل النكبات النهضوية امام ما يماثل ذلك الوضع عشية جلاء الاستعمار الاحتلالي، مع الفارق وهو ان عصر التسلط (الوطني) لا يزال قائما وتحرسه دولته الامنية الطاغية علي كل شكل آخر للدولة العصرية وتقنيتها الادارية المتقدمة. ومع ذلك تتعاظم الدعوات من كل حدب وصوب الي التحديث. ويكاد يشترك الجميع في اطلاق تلك الدعوات من الاوساط الحاكمة نفسها فضلا عن المحكومة صاحبة المصلحة الاولي في هذه الثورة البنيوية المنشودة. غير ان المبادرة الي (فعل) الاصلاح نفسه تظل في حكم الغيب، ولا احد يجرؤ علي تحمل مسؤوليتها حتي من بين اصحاب السلطة انفسهم. هنالك تحجج دائما بطغيان التحديات السياسية المتلاحقة علي الانشغال بهموم الدار الداخلية واهلها، واذ عاد عصر الاستعمار ثانية الي صميم الزمن العربي مع الاحتلال الامريكي للعراق فلا احد يمكنه ان يقدم علي (الكفاح الوطني) الجديد اية اهتمامات اخري. ولا يبدي الحكام كيف يردون علي التحدي الامريكي سياسيا علي الاقل في الوقت الذي يمارس هنا الاستعمار نفسه ضغوطه المباشرة في اتجاه تغيير بنية الدولة العربية حسب المواصفات الجاهزة نظريا علي الاقل لدي دعاة الليبرالية الغازية. وهؤلاء يراهنون علي نجاح النموذج الاحتلالي كقوة دفع مادية محسوسة لانتشار هذه الليبرالية كايديولوجيا بديلة عن كل ما هو سائد من العقائد المحلية، سواء صنفت في الاتجاه القومي والعلماني، او في اتجاه الاسلامويات السياسوية علي مختلف مذاهبها القديمة او المستحدثة. لكن تجربة الاحتلال لا تنجز حتي الآن الا كل ما هو مضاد لوعود الامركة سواء في سلوكها الطغياني العسكري او في افكارها (التحررية) المنقلبة علي ابسط بديهياتها المتداولة. فالغزو العسكري لا يساعد الغزو الثقافي بقدر ما يحبط سمعة افكاره سلفا، ويقدم عنها المثال الأسوأ.
هذا الواقع يشجع بعض الانظمة العربية علي التمسك اكثر بأدلجاتها القديمة. ويلقي علي حركات المعارضة لديها شبهات التعامل مع الغزو وثقافته. في حين ان كلا من الانظمة والمعارضة امسيا منخرطين معا موضوعيا في سياق مقاومة الغزو سواء في مطامحه العسكرية الراهنة والمحتملة، او تطلعاته السياسية والثقافية نحو قلب الاوضاع العربية رأسا علي عقب والسيطرة علي العقل المفكر كمؤسسات ومنابر وافراد وتيارات ريادية.
من هنا كانت الضرورة الاولي في اجندة التغيير تنص علي اطلاق حرية التعبير كاشارة اولي عن اعادة المشاركة الاجتماعية في انتاج وصنع الآراء العامة، واخراج الجمهور من دائرة الحجب والتغييب القسري، ذلك ان حرية التعبير لا تتعلق فقط باطلاق الآراء المعارضة لكنها تعلن عن دخول مشكلات الدولة والمجتمع عصر الشفافية الكاشفة عن آليات العطالة الشاملة واسباب استنقاع التطور التاريخي وتبديد قواه. فالمسألة المصيرية لم تعد تقتصر علي بقاء الفئات الحاكمة او زوالها، بقدر ما تمس مستقبل المشروع النهضوي في منطلقاته المبدئية خارج كل ادلجة موروثة او طارئة.
ومع ان هذه الحرية لن تتبرع بها الانظمة مجانا، لن تعطيها مجرد عطاء بل تنتظر ان تؤخذ منها وتنتزع انتزاعا قسريا او بالتراضي المحتم، فان كل الظواهر تبين للاسف ان طبيعة الحكم العربي القائمة اساسا علي شهوات مطلقة بدون حدود للتسلط والتملك من البلاد والعباد، لا زالت تشكل جوهر الحالة الموصوفة بوضع الاستعصاء الشامل للفهم والعمل معا. هذا يعني ان اكثر الانظمة الحاكمة قد نالها من تحجر الوعي وشلل الارادة ما جعلها تتشبث اكثر بأساليب تسلطها المعتادة، كما لو كانت هذه الاساليب والمناهج امست تعادل وجود الانظمة واستمراريتها او زوالها في حال التخلي عن شيء من تفردها بالسلطة. حتي ان الحاكم العربي الذي تآلف طويلا مع دوام القطيعة الكاملة ازاء شعبه بات يخشي حقا من كل مسعي يهدف الي مد اية جسور اولية نحو اية قوي اخري تقع خارج محيطه السلطوي. فالعلاقة مع كل (آخر) ما زالت هي علاقة الآمر بالمأمور والقائد بالمقود. ولا يمكنها ابدا ان تتقبل امكانية التحاور، وانعقاده علي مستوي الانداد ولو بصورة رمزية علي الاقل، وليس فقط علي مستوي التابعين والمتبوعين. اقصي ما يخشاه المتسلط هو الاتيان بالآخر. ولو رمزيا الي ضواحي عرينه. لذلك قبل اي تفكير بأي صيغة من صيغ التحالف او المشاركة المحدودة والبسيطة مع بعض القوي السياسية الاخري المختارة لا يتصور الحاكم العربي انه سوف يضطر في يوم قريب الي الاعتراف المبدئي بوجود مثل هذه القوي خارج اطار زعامته الاحادية.
هنالك آلية احتكار نهائي لكل ما يمت الي السلطة المتفردة بأسباب قريبة او بعيدة، وتكاد تكون من طبيعة نفسية وعقلية لدي المستبد قبل ان تكون سلطته نفسها من طبيعة اقطاع سياسي وقروسطي، او (عثماني) ـ ان اردنا المرجعية الاقرب ـ فالوالي التركي يعينه السلطان حاكما مطلقا علي قطر بكامله، اي ان (يقطعه) الولاية بكل ما تحويه من البشر والثروات مقابل ان يدفع اليه خراجا سنويا معلوما. واكثر حكام العرب اليوم يعيدون انتاج سلطة الاقطاع السياسي والبنيوي الكامل علي شعوبهم مقابل اداء جزية الولاء الكلي لسلطان البيت الابيض في واشنطن. غير ان جزية الولاء لم تعد كافية ذلك هو التغيير الاخطر الذي طرأ علي توازن هذه المعادلة التي حمت استمرارية شكل السلطة العربية طيلة نصف القرن الماضي. فهي تبدو فجأة وقد اضحت بدون سقف دولي يحميها. كأنما فقدت مرجعيتها السلطانية التي استمدت منها (شرعيتها الواقعية) الصادمة عبر تقلبات الظروف الاقليمية والدولية، لكن دون ادني تأثير علي (مصداقيتها) في عين حماتها، الا عندما وقع زلزال الإرهاب وقيام امبراطورية الشر المنظم التقني باعلان حربها الكونية ضد الارهاب الشعبوي، كسلاح اخير للمستضعفين. لكن هذا لا يعني ان النظام السلطاني العربي قد ترك ليلاقي مصيره المحتوم علي يد شعوبه المقهورة. بل ربما كانت الاطاحة ببعض رموزه القوية ليست سوي بديل عابر عن امكانية تغيير النظام بأيدي ضحاياه من شعوبه بصورة مباشرة، وذلك كمدخل تاريخي الي تسلم هذه الشعوب لارادة حريتها الفعلية لاول مرة، من براثن الامبراطورية، ووكلائها القدامي والجدد في آن.
كل هذا لا يؤدي الي حتمية اصلاح قاعدة الهرم المهترئة بالتخلص من رأسه الفاسد، بل قد يبدو للبعض ان وجود اية سلطة في اعلي الهرم ولو كانت من سلالة الفساد والطغيان افضل من حال انكشاف الغطاء عن الكوارث الاخري، وربما الاصعب، النائمة تحت ظواهر الاستقرار العام. وامام المثال العراقي فقد تقوم دعوات من نوع آخر للتعلق بأذيال الاستقرار ولو استكان علي زغل مخيف، الا انه بين ان يأتي قطار التغيير اجنبيا او وطنيا يتبقي هناك خيار حرية التعبير الذي قد يخرج المجتمع الاستبدادي من حال البطالة المعرفية ازاء اسرار مشاكله وكوارثه البنيوية، ويسمح بعرضها قليلا او كثيرا امام الرأي العام. فليس ثمة نظام او جهة محددة بذاتها قادرة علي الاطاحة بحصائل الانهيار الشامل الذي يعم مختلف مرافق البناء الاجتماعي المنخور، فالمسؤولية عن الخراب الشمولي العظيم هي فوق طاقة اصحاب الانظمة وحدهم رغم تحملهم الحصة الكبري من اعبائها. فاللحظة هي لانقاذ ما يمكن انقاذه من المركب الغارق، وليست لحظة للمحاسبة والمعاقبة. والجميع مدعوون الي هذه المهمة المضاعفة حماية ذلك الاستقلال الوطني المنقوص، بما تبقي منه والشروع في كشف مجاهيل المشكلات المزمنة، المؤسسة لأخطبوط الخراب العام والمغذية لمفاعيله.
لا حاجة للتذكير بان المعارضة العربية في شتي اقطارها هي المتعلقة اولا بتنمية حالة الاستشعار الجماهيري بلحظة الانقاذ التي تتجمع حول بؤرتها مختلف الازمنة العربية في شتي توقيتاتها المتوافقة او المتحالفة. ومن ثم فان لهذا الاستشعار ثقافته الخاصة ومنهجه التحليلي، وممارساته المتنوعة، ولكن المتناغمة. لن يحتكرها فكر محدد مسبقا، ولن تؤطرها اية ادلجة، ولن يختطفها اي حزب اوحد، او (طليعة) متفوقة. انها ثقافة المراجعة الحيادية لهذه الحقبة المصطلح عليها بعبارة النهضة العربية الثانية. هذه المراجعة لن تكون بمثابة توديع جنائزي لوعودها وعهودها المحطومة. لكنها ربما استطاعت ان تشارك في هذه المكافحة المشتركة مع العصر الانساني كله، ضد سلطة الخطأ. ان هذه المكافحة قد تثبت علي الاقل ان هناك سلطة اخري للصواب لا تزال بانتظار دورها التاريخي.