|
المسلمون العرب وغير العرب ... جبهة جديدة
مصطفى الفقي
الحياة
25 كانون أول - ديسمبر 2001
أدت الضربات العسكرية الاميركية ضد حركة طالبان وفلول تنظيم القاعدة الذي كان
يقوده اسامة بن لادن الي حال من الارتباك علي الساحة الاسلامية عموماً وفي
أفغانستان خصوصاً، وكان مصدر هذا الارتباك هو تلك الحساسية التي تولدت بين
العرب الافغان في جانب وغيرهم من فصائل كثيرة من الشعب الافغاني خصوصاً تحالف
الشمال في جانب آخر، وما زلتُ أذكر تصريحاً صحافياً لشقيق المجاهد عبد الحق
الذي اعدمته طالبان عندما كان يحاول القيام بعملية تأليب لأبناء قوميته
البشتونية ضد نظام الملا محمد عمر، لقد قال شقيق عبد الحق إن العرب هم الذين
جرّوا علينا هذه المشاكل، وبن لادن ضيف لا نستطيع إبعاده ومن الظلم لنا ان ندفع
ثمناً لافعال غيرنا، لقد كانت تلك الكلمات هي تعبير عن شعور عفوي يري أن جزءاً
كبيراً من مأساة افغانستان يرتبط بالعناصر العربية التي وفدت الي بلادهم مقاتلة
ضد الوجود السوفياتي في البداية ثم تطور الاطار الوظيفي لها لكي تصبح اداة
للعنف في دول الشرق الاوسط، الي ان جاء الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) ليضع
النهاية غير السعيدة لوجودها، بل ربما اغلق ملفها ولو لسنوات مقبلة.
والذي يعنيني بالدرجة الاولي من هذا المقال هو أن اتعرض لمسألة ذات حساسية
تتعلق بظهور شيء من الحساسية بين المسلمين العرب وغير العرب، او دعني اجازف لكي
اقولها بتعبير آخر، إنها قد تصبح أزمة بين الاسلام العربي والاسلام الاسيوي
تحديداً، وأنا أدرك انني أقع في المحظور عندما احاول تصنيف الاسلام لانه دين
أممي يتجه الي الناس كافة بغير تفرقة او تمييز أو استثناء، فالاسلام دين واحد
غير قابل للتجزئة، بينما التقسيم والتجزئة أمران ينسحبان علي المسلمين من دون
ان يمسا جلال دينهم العظيم وشريعته السمحاء، والآن دعنا نضع ملاحظاتنا حول هذا
الموضوع من خلال النقاط الآتية:
- أولاً: إن ما جري في الاسابيع الاخيرة في المدن الافغانية لا يمكن تفسيره فقط
في إطار المواجهة بين قوميات أو أعراف أو قبائل، ولكن الامر يتجاوز ذلك الي
المواجهة بين ما هو افغاني وما هو غير افغاني، ولعل مئات العرب الافغان الذين
ذُبحوا في القلاع المغلقة أو بعد الاستسلام الكامل هو نموذج آخر يعزز المخاوف
التي أتحدث عنها والتي يمكن ان تمثل جبهة جديدة تُحدث انشقاقاً في الصف
الاسلامي لان الايدي الافغانية ملطخة بدماء عربية لاولئك الخوارج الذين تركوا
اقطارهم الآمنة وذهبوا ضحية شعارات وهمية ترفع راية الجهاد بغير وعي وتخلط بين
افكارها السلفية وممارساتها الارهابية.
- ثانياً: إن الدور الباكستاني سيظل معقداً، ولقد عشت - شخصياً - لسنوات
ديبلوماسياً في شبه القارة الهندية وتعرفت علي مصطلح غريب يتحدث عن الاسلام
الهندوكي الذي يحتوي في اعماقه الصراعات المريرة بين الهندوس والمسلمين، ويحتفظ
في ذاكرته بالحساسيات التي يعاني منها الهنود لارتباط البناء الحضاري لديهم
بالدولة المغولية الاسلامية، لذلك فإن الاسلام في شبه القارة الهندية يكتسب
مفهوماً قومياً يتداخل مع الزخم الروحي لذلك الدين العظيم، ولستُ انكر
الاجتهادات الضخمة للاسلام غير العربي في بلورة الطرح المعاصر للنظرية
الاسلامية في السياسة والحكم، إذ رغم أن أبا الاعلي المودودي الذي اتخذ من
(الحاكمية) اساساً لطرحه السلفي مقترباً من رؤية نظيره المصري سيد قطب إلا أن
القومية الباكستانية تبدو هي والاسلام وجهان لعملة واحدة، وهو أمر له تأثيره في
انتشار التيارات الاصولية داخل الدولة الباكستانية فضلاً عن الشراكة القبلية
للبشتون بين باكستان، وافغانستان.
- ثالثاً: لقد خلط المسلمون في آسيا بين مشاعرهم القومية وديانتهم الاسلامية،
سواء كان ذلك في الشيشان او كشمير أو جنوب الفليبين، أو شمال الصين، ومرجع ذلك
يعود بنا الي اتخاذهم الاسلام دينا وقومية في وقت واحد وهو امر عرفته شعوب
كثيرة حتي في العالم العربي ذاته، فلقد قهر الثوار الجزائريون الوجود الفرنسي
علي ارضهم بالتركيز علي هويتهم الاسلامية قبل اصولهم العربية.
- رابعاً: إن الانقسام المذهبي الرئيسي في الاسلام بين السُنة والشيعة يمكن ان
يكون عاملاً للتوافق بين المسلمين العرب والمسلمين غير العرب ولكنه يمكن ان
يكون ايضا عاملاً سلبياً في ذلك، إذ أن المذهب السني يمثل المذهب السائد لدي
معظم العرب بينما يختلف الامر بالنسبة الي المسلمين غير العرب في آسيا، حيث يصل
الحد الي وجود دول شيعية في غالبيتها، ولعل النموذج الايراني هو ادق تعبير عن
هذه الحقيقة، ولعلنا نتذكر ان من اسباب استقرار الموقف الايراني واعتداله بعد
11 ايلول (سبتمبر) هو سعادته بالتخلص من نظام طالبان السني المتطرف في تدينه،
المتشدد في تعاملاته.
- خامساً: لازلنا نضع علي عاتق المؤسسة الدينية الاسلامية - حكومية أو غير
حكومية - مسؤولية التقريب بين المذاهب والفرق الاسلامية وإلغاء التفرقة بين ما
هو عربي وما هو غير عربي، فالاسلام يقرر أنه لا فضل لحرّ قرشي علي عبد حبشي إلا
بالتقوي، ولعلنا نذكر في هذا السياق جهود الازهر الشريف في إحدي فترات تألقه
عندما قاد إمامه الاكبر الشيخ محمود شلتوت جهداً إيجابياً في هذا الاتجاه،
وأعلن فتواه الشهيرة بمساواة الشيعة الإثني عشرية بأهل السُنة. ومنذ ذلك الحين
والفقه الجعفري يأخذ مكانه في التدريس في الأزهر جنباً الي جنب مع مصادر فقه
السُنة، ولست اشك في ان جهود المؤسسات الدينية - عربية وغير عربية - تبدو
مطلباً ملحاً في هذه الظروف الاستثنائية بكل المعايير.
- سادساً: إذا كان التاريخ الاسلامي يشير الي الفتوحات الاولي في بلاد الفرس
والروم وارض الفراعنة، إلا أن دخول الاسلام الي معظم المناطق الاسيوية جاء من
خلال التجارة أو الاحتكاك الحضاري المباشر، فلقد لعب التجار الحضارمة - اجداد
بن لادن - دوراً كبيراً في نشر الاسلام عبر المحيط الهندي حتي جزر اندونيسيا،
ومازلتُ اذكر ان وزير خارجية تلك الدولة - الي عهد قريب - كان حضرمي الاصل يمني
الاسم، ولا شك في أن دخول الاسلام بالطرق السلمية يعطي مساحة أكبر للتأثير
القومي علي الرسالة الجديدة وتفاعله معها بخلاف الفتح العسكري الذي يؤدي الي
تداخل بشري بين المقيم والوافد، وتزاوج انساني بين اهل البلاد والقادمين إليها.
- سابعاً: يبقي النموذج الايراني نسيجاً وحده في العالم الاسلامي كله، إذ يمثل
ركيزة اساسية للاسلام غير العربي ويجعل للدولة الشيعية في طهران نموذجاً للثورة
الاسلامية التي لا تنفصل عن روح العصر ولا تعيش في غيابات العزلة، وإذا كان
الشيعة هم ثوار التاريخ الاسلامي فإن ايران - الدولة والثورة - تمثل تجسيداً
لذلك خلال العقدين الاخيرين، رغم كل ما يرد إلينا من ملاحظات علي مواقف طهران
بعد الحادي عشر من ايلـــول (سبتمـــبر).
- ثامناً: إن المواجهة التاريخية المعروفة بين الامبراطورية العثمانية السنية
التي كانت تسيطر علي معظم مناطق الشرق الاوسط والبلقان وبين الدولة الصوفية
الشيعية في بلاد فارس تمثل هي الاخري نموذجاً للخلاف المذهبي في اطار الاسلام
غير العربي، وحيث انضوي العرب في غالبيتهم تحت سيطرة الخلافة العثمانية، إلا
أنها تظل النموذج الوحيد لانتقال الخلافة الاسلامية الي خارج اطارها العربي،
وهو امر يدعونا - رغم كل سلبيات الحكم التركي - للإشارة الي الانسجام السياسي
بين العرب وغير العرب في الامبراطورية الاسلامية الواحدة.
- تاسعاً: إن ظهور النفط العربي وتنامي الثروة في الجزيرة والخليج ادي الي
استقدام مئات الألوف من الآسيويين الي دول تلك المنطقة التي اصبحت تمثل مركز
جاذبية لفقراء جنوب آسيا ومنهم نسبة كبيرة ممن يدينون بالاسلام، ولقد أدي وجود
تلك الجاليات الكبيرة الي نوع من التفاعل بين المسلمين العرب وغير العرب، ولكن
في إطار احساس بالتفاوت في الثروة ومخاوف عربية من تأثير طغيان العناصر
الوافدة.
- عاشراً: إن الاسلام الآسيوي - إذا جاز التعبير مرة اخري - يواجه تحديات في
داخله، فالعنصر الاسلامي في ماليزيا يتعرض لمزاحمة واضحة خصوصاً من ذوي الاصول
الصينية والهندية بينما تنشط الحملات التبشيرية في اندونيسيا إذ تشير الاحصاءات
الي تراجع نسبة المسلمين في تلك الدولة - ذات الخصوصية الجغرافية والسياسية -
علي نحو يدعو الي القلق، وهو امر يستوجب اهمية دعم المسلمين العرب للمسلمين غير
العرب في ظل ظروف اقتصادية صعبة احياناً او تحديات سياسية طارئة أحياناً أخري.
إن ما أردت ان أخلص اليه من هذه النقاط العشر هو أن اضع النقاط فوق الحروف بحيث
تكون الامور في نصابها امام اية محاولة لخلق اسباب الصراع او الحساسية بعد
الضربة القاسمة التي تلقاها الوجود العربي وغير العربي من شركاء الامس القريب
علي ارض افغانستان ، ولست اشك في انه سيكون هناك من يحاول إثارة النعرات وايقاظ
الفتن، ولعلي اذكر هنا بصورة الافغاني الذي داس بحذائه علي جثة عربي ذهب الي
تلك البلاد تحت مظلة الجهاد ثم احالته الظروف الدولية والاقليمية لكي يحمل صفة
ارهابي ويدفع الثمن من حياته غريباً طريداً في ظروف شديدة القسوة بالغة
الضراوة. إنني لا اريد أن ابتدع تقسيمات جديدة للمسلمين ولكني احسب ان الاسلام
الاسيوي الذي تلقي ضربات موجعة في الاسابيع الاخيرة نتيجة لتداعيات الحادي عشر
من ايلول (سبتمبر) قد ينحي باللائمة علي الاسلام العربي باعتباره مصدر الفكر
ورائد الدعوة، وهو امر يستحق منا الاهتمام ويوقظ فينا صحوة تدعو كل الشركاء في
الحضارة العربية الاسلامية - عرباً وغير عرب مسلمين وغير مسلمين - إلي أن تكون
عيونهم مفتوحة وقلوبهم صافية واخوتهم صادقة في ظل ظروف يغلفها الغموض وتبدو
فيها كل الاحتمالات قائمة وكل الخيارات متاحة، فقد كان الحادي عشر من ايلول
(سبتمبر) بحق نقطة تحول مفصلية في تاريخ البشرية.
* كاتب قومي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب المصري |