خواطر علي قرار العفو اليمني

حسام عبد الحميد

عن الراية

لم يكن قرار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بالعفو عن قيادات الحزب الاشتراكي اليمني المعروفة بقائمة الـ16 والصادر بحقها عدد من الأحكام القضائية أمراً مفاجئاً بل كان متوقعاً ومنتظراً في أي مناسبة وطنية لأنه امتداد لروح التسامح التي تعامل بها الرئيس صالح مع كل قيادات الاشتراكي السياسية والعسكرية والأمنية التي ظلت داخل اليمن بعد انتهاء حرب الانفصال التي أشعلها هؤلاء القادة في صيف 1994م، وهي ابتداء امتداد لسياسة إعادة كل المعارضة في الخارج الذين لم يصدر بحقهم أي حكم قضائي ولا يخلو توقيت القرار مع الذكري الثالثة عشرة للوحدة اليمنية وتزامنه مع تلك الظروف الإقليمية والدولية من بعض الدلالات السياسية سواء علي المستوي الداخلي والخارجي، فعلي المستوي الأول يريد الرئيس اليمني أن يؤكد علي النهج الديمقراطي واستمرار الانفتاح السياسي أمام كل القوي اليمنية حتي مع تلك التي رفعت السلاح في وجه الوطن ويريد أيضاً التأكيد علي أن الوحدة اليمنية قد تجاوزت حواجز الخوف وباتت وحدة راسخة جغرافياً وسياسياً واجتماعياً وعسكرياً وأن عقارب الزمن لن تعود إلي الوراء، كما أن إعادة ترتيب البيت اليمني بأيد يمنية أفضل بكثير من ترتيبه بأيد أجنبية وما مثال العراق عنا ببعيد رغم أنه لا وجه للمقارنة بين ديمقراطية علي صالح وديكتاتورية صدام حسين ولا وجه للمقارنة بين نحو 2 مليون عراقي معارض مشرد في الخارج وعدة عشرات من قيادات الحزب الاشتراكي تعيش في بعض البلدان العربية التي كفلت لهم حق العيش فوق الكريم منذ نزوحها عام 1994 وحتي اليوم!

وعلي المستوي الخارجي يعكس هذا القرار رغبة الرئيس اليمني في إرسال رسالة واضحة الأبعاد والدلالات خاصة في تلك الظروف الإقليمية والدولية أن اليمن ماض في النهج الديمقراطي ومحاربة الإرهاب وهما دعامتان أساسيتان لحصول أي نظام عربي علي شهادة اعتماد دولية بصلاحية هذا النظام حتي تاريخه.

كما أن هذا القرار يعكس رؤية الرئيس اليمني في الإصلاح السياسي والاقتصادي في اليمن وبناء دولة حديثة ليقطع الطريق أمام أية ضغوط دولية أو بمعني أصح ضغوط أميركية في هذا الاتجاه.

وقد يفرض الحديث عن مثل هذا الموضوع الإشارة إلي الحنكة السياسية التي يتمتع بها الرئيس اليمني خلال سنوات حكمه التي قاربت علي ربع قرن فقد كان البعض يتوقع له البقاء في السلطة لعدة أشهر فقط خاصة أنه جاء بعد مقتل رئيسين يمنيين وبعد حقبة من الصراعات بين قطري اليمن إلا أن الأحداث الجسام التي مرت بها اليمن أثبتت أنه قادر علي أن يصل بالسفينة إلي مرفأ الوحدة والمحافظة عليها ووضع اليمن علي بداية الدولة الحديثة.

وقد تجلت هذه الحنكة السياسية في الإمساك بكل خيوط التناقض داخل المجتمع اليمني وإقامة التوازنات والجمع بين الدولة والقبيلة علي نحو حقق التوافق وعدم الصدام وحفظ للدولة مركزيتها وسيادتها في إطار منظومة متكاملة مزجت قيم القبيلة مع قيم مؤسسة الرئاسة.

وكان الرئيس اليمني لماحاً في استغلال الظروف الدولية عندما انهارت منظومة الدول الاشتراكية سارع إلي طرح مشروع الوحدة من جديد الذي وجدت فيه القيادات الاشتراكية طوق النجاة من الانهيار فأبدت رغبتها الشديدة في الوحدة- ولا أحد ينكر ذلك، إلا أنها أمسكت بخيوط التراجع فظل الجيش جيشين والعملة عملتين والعلم علمين إلي أن حدثت الأزمة السياسية في أغسطس 1993 عندما اعتكف علي سالم البيض (نائب الرئيس آنذاك) وفشلت وثيقة العهد والاتفاق (أبريل 1994) في نزع فتيل الأزمة مما أدي إلي انفجار الحرب وما تلا ذلك من إجراءات كان بينها الحكم علي مجموعة الـ16 وصدور أحكام بالإعدام والسجن بحقهم.

ورغم صدور هذه الأحكام وتثبيتها قضائياً إلا أنه لم يحدث أن طالبت اليمن بتسليم هؤلاء المتهمين من البلدان التي لجأوا إليها، مما جعل البعض وقتها يقول إنها أحكام سياسية سيتم استخدامها في الوقت المناسب علي أن تظل ورقة ضغط ضد هؤلاء إذا حاولوا ممارسة أي دور للمعارضة في الخارج.

ولا شك أن صدور مثل هذا القرار يستدعي الإشادة بالجرأة التي يتحلي بها الرئيس اليمني وسياسته التسامحية مع خصومه، وهو قرار إنساني بكل المقاييس ولكن إذا تجاوزنا العاطفة إلي العقلانية حتي لا يكون القرار مجرد كلام في فضاء سياسي فإن الأمر يتطلب تفسيرات وضمانات تضمن لهؤلاء العائدين حقهم وتضمن للوطن أيضاً حقه في العيش باستقرار خاصة أن الأوضاع الاقتصادية والأمنية في اليمن لا تحتمل المزيد من الهزات.

فالاشتراكيون أنفسهم لم تجرفهم العاطفة وبعد أن ثمنوا الخطوة ووصفوها بالإيجابية ورحبوا بها باعتبارها خطوة علي طريق إغلاق ملفات الماضي وتحقيق المصالح الوطنية طالبوا بتهيئة الظروف لتطبيق مبدأ اليمن يتسع لجميع أبنائه قبل العودة وطالبوا بإلغاء الأحكام بعدما صدر العفو الرئاسي ووضع الأسس المتينة لسد المنافذ والذرائع لمنع تكرار هذه الصراعات.

وهذا يعكس تخوف تلك القيادات من أن تظل هذه الأحكام سيفاً مسلطاً عليهم فهم لا يريدون التعامل مع الأحكام بشقها السياسي فحسب ولكن أيضاً بشقها الجنائي والقانوني بمعني إسقاط الأحكام والتهم وكأن شيئاً لم يكن.

كذلك تمتنع هذه القيادات عن الحديث حول كيفية ممارسة الحياة السياسية بعد عودتها وهو ما يعني أن الأفق السياسي غير واضح حتي الآن، كذلك تريد هذه القيادات عودة جماعية مثلما خرجوا بصورة جماعية وهو ما يعكس الرغبة في التعامل مع القضية بشكل سياسي وليس تعاملاً شخصياً كل فرد علي حدة وبالتالي لا بد من ضمانات واضحة المعالم بشأن العودة لممارسة الحقوق السياسية والمدنية.

أما التجمع اليمني للإصلاح (إسلامي) والذي يشكل القوة الحزبية الثانية فقد أصدر بياناً اعتبر فيه قرار العفو إنجازاً للتحالف الذي عقده مع الاشتراكي وأحزاب المعارضة في إطار ما يسمي بأحزاب اللقاء المشترك، إلا أن هذا الحزب- أي الإصلاح- يخشي أن يكون هدف القرار هو فرض عزلة سياسية عليه ومحاولة فك التحالف الذي أقامه مع 5 أحزاب معارضة أخري، وبالتالي يفقد فاعليته.

ويؤكد التجمع اليمني للإصلاح في أدبياته أن قرار العفو يمكن أن يكون مدخلاً لإصلاح الوضع السياسي وطالب الدولة بوقف سياسة المن والأذي ودعا إلي آلية تحقق بقرار العفو أهداف الحركة الوطنية في السلطة والمعارضة عبر إغلاق ملفات الصراع، والتزام ثقافة التسامح والاحتكام للدستور والقانون في تحديد الحقوق والواجبات للجميع.

ولا أعتقد أن بقية الأحزاب اليمنية تشذ عن هذه القاعدة فهي بين مسرف في الترحيب أو مرحب مع بعض التحفظات ألا يشكل القرار انتكاسة للخلف وفي كلا الحالتين هناك ترحيب، لكن ثمة تساؤلات واستنتاجات وتوقعات تفرض نفسها في هذا الإطار.

فالرئيس اليمني عندما اتخذ هذا القرار لا بد وأنه استشار أجهزته السياسية والعسكرية والأمنية وأدرك أنه لا خطورة من اتخاذ هذا القرار بعد أن تم تجريد الحزب الاشتراكي من دولته وأصبح حزباً عادياً لا يتمتع بقاعدة جماهيرية ولا يمتلك جيشاً ولا جهازاً أمنياً، وبالتالي فإن عودة هذه القيادات ستكون مجرد عودة لأفراد لا يمتلكون أية قوة، في مقابل ذلك فإن الحزب الحاكم الذي بات يتمتع بأغلبية فسيحة في البرلمان لم يعد يخشي شيئاً، وبالمنطق إذا كان الرئيس اليمني استطاع أن يخمد حركة الانفصال عام 1994 عندما كان الحزب الاشتراكي يمتلك دولة فإنه قادر وبأقل التكلفة أن يخمد أي حركة سياسية معارضة تستخدم أي أساليب غير شرعية.

لكن ثمة تخوفاً يطرحه البعض من أن يكون هذا القرار بداية لإثارة الاضطرابات والقلاقل وعودة إلي مظاهر الفترة الانتقالية وحوادث التفجير هنا وهناك باعتبار أن ثأراً دفيناً ما زال يملأ قلب هذه القيادات وباعتبار أن نفوذها وإن خبا في المؤسسة العسكرية أو الأمنية فإنها يمكن أن تسترده وبأسرع ما يمكن.

قد يري البعض أيضاً أن هذا القرار ليس مبرأ من عدة أهداف غير معلنة أولها أنه موجه بالأساس ضد حزب الإصلاح، من خلال إعادة رسم خريطة التحالفات في الساحة اليمنية عن طريق فك التحالف بين الإصلاح والاشتراكي وربما فض هذا التحالف لأن أي تقارب بين الاشتراكي والمؤتمر الحزب الحاكم لا يبدو أن يكون علي حساب الإصلاح، وفي هذا الإطار أيضاً يمكن القول- حسب هؤلاء- أن هذا القرار هو ثمن مؤجل ينبغي علي الإصلاح دفعه نتيجة تحالفه مع الحزب الاشتراكي وبقية أحزاب اللقاء المشترك في الانتخابات الماضية.

لكن البعض يري أن الخبرة التاريخية تؤكد أن الإصلاح قبل أن يكون حزباً كان دائماً حليفاً استراتيجياً للمؤتمر رغم ما كان يمر بهذه العلاقة من توترات، فهذا التيار الإسلامي العريض واعتمد بجذوره التاريخية وقف إلي جانب الرئيس في حرب التخريب في المناطق الوسطي من اليمن أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات وهو الذي وقف أيضاً إلي جانبه في حرب الانفصال.

وفي إطار هذه التساؤلات والاستنتاجات قد يسأل سائل لماذا كانت الحرب أصلاً؟ ولماذا هذه الدماء؟ وهل هم شهداء أم قتلي؟ وفي أي جانب كانت الشهادة؟ وفي أي جانب كان القتل؟ إذا كان الحال سينتهي إلي قرار عفو ويعود هؤلاء دون أي عقاب، وأعتقد أن قواعد الإصلاح ستسأل قياداته لماذا خضنا حرباً باسم الشهادة وكنا في مقدمة الصفوف بل إن طلائع الشهداء كانوا من بين شباب الإصلاح الذين انخرطوا في الجيش؟

بل ماذا ستقول المرأة التي وضعت قرطها أو خاتم زواجها أو أسورتها التي كانت تزين معصمها في قطعة الكعك التي أرسلتها إلي الجبهة ضمن مجهود شعبي شاركت فيه كل المحافظات الشمالية دعماً للجنود علي الجبهة؟

وماذا ستبرر وسائل الإعلام اليمنية عودة هؤلاء بعد أن شنت حملة شعواء كان لها ما يبررها- حينئذ- ضد هؤلاء وصورت بعضهم كمصاصي دماء ومنعت ظهور القيادات الاشتراكية في الصور التاريخية في وسائل الإعلام، فهل سيتغير النهج كإبداء لحسن نية لشريك صنع الوحدة؟ أم أن النهجسيستمر بما فيه من إجحاف؟

وإذا عادت هذه القيادات هل ستعود بذهنية الماضي عندما كانت تملك دولة وجيشاً أم سيعودون أفراداً ليمارسون عملاً سياسياً تحكمه القيود والضوابط التي لم يتعودوا عليها وهل ستصفو نفوسهم ويقبلوا ممارسة اللعبة السياسية بقواعدها التي تجعل الكبير كبيراً والصغير صغيراً؟ أم أن اليمن سيدخل دوامة المكايد السياسية؟

عشرات الأسئلة والتوقعات والاستنتاجات والتكهنات التي تفتح الباب علي المجهول، وحتي لا يساء فهمي أود أن أسجل هنا أنني لست ضد القرار بل علي العكس فإن هذا القرار يعكس نموذجاً متقدماً للقيادة اليمنية لم تسبقها إليه دولة عربية مع خصومها السياسيين الذين لم يحملوا حتي سكيناً في وجهها، كما أنه لا يعني أنني ضد الحزب الاشتراكي بعدما ارتضت القيادة العفو عنهم، لكنها تساؤلات مشروعة ومحاولة لفهم المشهد اليمني، الذي أتمني أن يكون قرار العفو بداية لمرحلة جديدة ومصالحة وطنية تضمن اصطفاف كل القوي اليمنية أمام التحديات الراهنة من أجل أن يستعيد اليمن بعضاً من سعادته القديمة!.