مهددات الوجود العربي

د. محمد سعد ابو عامود

بداية يمكن القول بأن الأجندة الأمريكية للشرق الأوسط أجندة حافلة بالموضوعات والقضايا الهامة، وهي متعددة الأبعاد والمستويات والأهداف، وقد أعلن عنها كولن باول في 12 ديسمبر 2001، فيما عرف بمبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، وكل ما أعلن بعد ذلك هو بمثابة شروح وتفسير لبعض جوانب هذه المبادرة، أو تحفيز لتفعيلها، والترويج لها من الجانب الأمريكي، وما اقتراح الرئيس الأمريكي الأخير باقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط خلال عشر سنوات بشرط انجاز دول المنطقة خاصة الدول العربية لاصلاحات اقتصادية وسياسية، إلا بمثابة تحفيز لهذه الدول لدراسة وتبني هذه المبادرة بشكل أو بآخر خاصة فيما يتعلق بالاصلاح السياسي، فالولايات المتحدة تدرك أنه من الصعب نقل النموذج السياسي الأمريكي الى المجتمعات العريبة، دون مراعاة لظروف هذه المجتمعات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية،
وهو ما أعلنه أكثر من مسئول أمريكي في العديد من المناسبات والمؤتمرات خلال الفترة الماضية، ومن الطبيعي ألا تتلاقى الخطة الأمريكية للشرق الأوسط تلاقيا كاملا مع المصالح العربية، ومن البديهي أن تراعي مصالح اسرائيل بوصفها حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة كل هذه أمور بديهية لم تعد بحاجة الى شرح وتفسير، ولكن الغريب والمثير للدهشة هي حالة الجمود السياسي العربي الراهنة وهي ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل، لأن هذا الجمود وهذه البلادة السياسية إن صح هذا التعبير لوصف هذه الحالة، تأتي في ظل ظروف بالغة الدقة والصعوبة وتتطلب الحركة المتدفقة والمستمرة وليس الجمود والبلادة القائمة فالولايات المتحدة طرحت أفكارها وبرنامجها ولكن ماذا عن رد الفعل العربي تجاه هذه الأفكار وهذا البرنامج؟
لا نجد في الواقع العملي أي رد فعل إلا اذا اعتبرنا التحليلات العربية الصحفية لمبادرة كولن باول تعبر عن رد الفعل العربي في هذا الشأن وهو أمر يصعب الوثوق به أو تصديقه.
وربما يكون تفسير هذا الجمود السياسي العربي استنادا الى أن الدول العربية لا تستطيع رفض الأجندة الأمريكية للشرق الأوسط بحكم معطيات القوة الراهنة، وفي ذات الوقت لا تستطيع قبولها لأسباب قد تختلف من دولة لأخرى، ومن ثم تأخذ موقف الترقب والحذر، حتى تتغير بعض الظروف أو المعطيات، ولكن الواقع القائم الآن لا يحمل أي دلائل موضوعية على امكانية حدوث تغير ايجابي، بل العكس هو الصحيح، فعامل الوقت على ما يبدو ليس لصالح الدول العربية، ومن ثم فلا يوجد أي مبرر موضوعي لحالة الجمود السياسي العربي الراهنة.
واذا ما أردنا أن نوضح مشهد الجمود السياسي العربي الراهن فإننا نشير الى المبادرات الأمريكية المتعددة حول الأوضاع في المنطقة على المستوى الداخلي، والاقليمي والدولي، والتي لا يقابلها أي موقف أو رد فعل عربي، قد تكون هذه المبادرات ملائمة أو غير ملائمة، ولكن ليس من السياسة في شئ ألا يكون هناك موقف أو رأي بصددها، فإن كان من المتعذر كما سبق القول القبول أو الرفض الكامل، فلنبحث فيما يمكن قبوله وما يمكن رفضه، وكيف نعلن عن هذا القبول أو الرفض، أما أن نترك الولايات المتحدة هكذا تطرح المبادرات وتقوم بتنفيذها في وضع يتسم بالغياب العربي فهو حالة أو موقف لا يمكن قبوله أو تبريره.
وبالتالي فإن الاشكالية التي تواجه الدول العربية ليست في الأجندة الأمريكية للمنطقة أيا كانت محتوياتها وأهدافها، وإنما الاشكالية تكمن في البنية الأساسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية العربي ذاتها ومن ثم فإذا ما أردنا أن نتعامل مع الواقع الراهن تعاملا فعالا فعلينا أن نبدأ بقراءة سياسية صريحة للواقع العربي مهما كان مريرا، لأن على الدول العربية أن تقدم اجابات واضحة ومحددة على بعض الأسئلة الحساسة والحاسمة في ذات الوقت سواء على المستوى الداخلي أو الاقليمي أو الدولي.
جمود
أي قراءة علمية موضوعية سياسية للواقع العربي الراهن تؤكد أن البنية السياسية العربية ممثلة في النظم السياسية ومؤسساتها وأسلوب عملها، لم تعد قادرة على التعامل مع الواقع القائم بمتغيراته السريعة والمتلاحقة، وهذا هو تفسيرنا لحالة الجمود السياسي العربي الراهنة ومن ثم فالاصلاح السياسي الذي يشتمل على التغيير واعادة الهيكلة السياسية قد صار ضرورة ملحة، لا تقبل التأجيل أو المراوغة لأن المراوغة والتأجيل في هذا الشأن معناه استمرار حالة العجز والجمود السياسي الراهنة، وبالتالي فإن الأمر يتطلب اتخاذ قرارات صعبة في هذا الشأن ليس لأن الولايات المتحدة تدعو الى ذلك، ولكن لأن الظروف الموضوعية القائمة في الواقع العربي تتطلب ذلك.
ولا يجب أن تكون هناك حساسية في هذا الشأن من كون الولايات المتحدة تدعونا الى ذلك، لسبب بسيط وهو أن كان للولايات المتحدة مصلحة في القيام بهذا الاصلاح السياسي، فإن للدول العربية مصالح أكبر في تحقيق هذا الاصلاح السياسي، الذي طال انتظاره من جانب الشعوب العربية. واذا ما نظرنا الى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العربية سنجد تدهورا واضحا في هذه الأوضاع، فالموارد الاقتصادية العربية تعاني من الانكماش وانخفاض أهميتها النسبية، وجاذبية المنطقة للاستثمار محدودة فوفقا للمعدلات المعلنة من جانب مكتب الأمم المتحدة لغرب آسيا «الايسكوا»، بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول العربية 6 مليارات دولار أي ما يعادل 008,00% من اجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم ويرجع ذلك الى ارتفاع درجة المخاطر الاقتصادية والسياسية في المنطقة العربية، اضافة الى تدني مستوى التعليم، وانخفاض القدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة.
كما أن موقع الدول العربية على خريطة تنمية الموارد البشرية في العالم موقع متواضع بكل المقاييس، وهو ما يعني أن هناك خللا في السياسات المتبعة في هذا الشأن لا يمكن السكوت عليه، بل يتطلب المراجعة السريعة والحاسمة.
من ناحية أخرى فإن أي تحليل للسياسات الاقتصادية والأداء الاقتصادي العربي استنادا الى معيار التكلفة والعائد، يصل الى نتيجة واضحة تتمثل في ضعف استخدام هذه الموارد وسوء توظيفها ومن ثم سنجد ضعفا في العائد يرجع الى اهدار هذه الموارد، ويعبر عن نفسه في انخفاض مستويات المعيشة، ومعدلات مرتفعة للبطالة خاصة بين الشباب، وسوء في توزيع الدخل، حيث تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل الدول العربية ربما بصورة لم تعرفها المجتمعات العربية من قبل، ويؤكد هذا انخفاض معدلات النمو الاقتصادي في معظم الدول العربية، وارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وازدياد حدة مشكلة الفقر، وكل هذه الظواهر وغيرها من الظواهر السلبية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي تعني ضرورة القيام باصلاح اقتصادي واجتماعي جذري، ليس لأن الولايات المتحدة تدعو الى ذلك، ولكن لأن المجتمعات العربية بلا استثناء تحتاج الى ذلك لتجنب الآثار السلبية التي يمكن أن تنجم عن استمرار هذه الأوضاع.
وعلى المستوى الثقافي سنجد أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية القائمة قد أفرزت منظومة من القيم الثقافية التي لا تتلاقى مع متطلبات العصر، فهذه المنظومة تقوم على الأفكار المطلقة المنغلقة على الذات، والبعيدة عن الواقع القائم بكل متغيراته ومعطياته، والمستند في ذات الوقت الى رؤية قديمة مستمدة من التراث القديم للعصر وأساليب التعامل معه، وهذه الأوضاع الثقافية لها افرازاتها في الحياة المعاصرة العربية بشكل واضح، بما يخلق العديد من المشكلات التي تعيق حركة التطور العربي المنشود، بل أنها تعد بمثابة أحد العوامل الرئيسية للجمود والبلادة السياسية في المجتمعات العربية، بدليل هذه القدرية التي يواجه بها العرب الأحداث الخطيرة التي يتعرضون لها كأمة يتهدد كيانها الذاتي.
ومن ثم فالاصلاح الثقافي أيضا ضرورة موضوعية تفرضها الظروف القائمة الآن والمحيطة بالمجتمعات العربية، وهو ما قد يتطلب مراجعة شاملة لكافة محتويات وأدوات عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية، ومرة ثالثة ليس لأن الولايات المتحدة ترغب في ذلك ولكن لأننا بحاجة الى منظومة من القيم الثقافية الملائمة لهذا العصر، كي نستطيع فهمه والتعامل معه.
إن السؤال الذي يتردد كثيرا في هذا الشأن هو لماذا هذا الاهتمام الأمريكي بالاصلاح السياسي والاقتصادي في الدول العربية؟ وهل نقوم بهذا الاصلاح لمجرد أن الولايات المتحدة تطالبنا بذلك؟ والاجابة عن السؤال الأول تتلخص في أن الولايات المتحدة ترى أن استمرار الأوضاع القائمة في المجتمعات العربية يفرز ظواهر تهدد مصالحها في المنطقة، وأنها يجب أن نتخذ خطوات استباقية لمنع تهديد هذه المصالح، وقد تكون هذه الرؤية الأمريكية صوابا أو خطأ ولكن الادارة الأمريكية تتعامل مع المنطقة وفقا لهذه الرؤية، يؤكد هذا ما طرحته من مبادرات وافكار في هذا الصدد، أما الشق الثاني من السؤال فإن الاجابة عنه تتلخص في أنه ليس من الحنكة السياسية أن نرفض القيام بما يجب القيام به لمجرد أن الولايات المتحدة تدعونا الى ذلك.
ومن ثم فنقطة البدء الملائمة للتوصل الى استراتيجية للتعامل مع الواقع القائم وما يشمله من متغيرات وخطط وبرامج وأفكار تتمثل في اعادة ترتيب البيت العربي من الداخل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لأن الأمر يتطلب اعادة تعبئة الموارد العربية وتوظيفها في مرحلة تالية للتعامل مع هذا الواقع وهو أمر يتعذر تحقيقه دون القيام بعملية الاصلاح السابق الاشارة اليها، خاصة وأن القضايا التي لابد من التعامل معها من القضايا المصيرية بالنسبة للأمة، وهي قضايا لا تقبل بتغييب الأمة، وإنما تتطلب مشاركتها في القرار والفعل والعمل، إذا ما أردنا أن نعبر هذا المنعطف التاريخي بسلام، ونتجاوز حالة الجمود والبلادة السياسية الراهنة، وما تحمله من مخاطر وتهديدات لا تهدد مصالحنا فحسب وإنما تهدد وجودنا ذاته.