|
لكل مجرم بصمة ...
وبصمات المجرم لا تقتصر على الاثار التي تتركها اصابعه في مكان الجريمة وانما
تشمل ايضا الاسلوب الذي ارتكبت به
الجريمة وطريقة التنفيذ وسلاح الجريمة وما يحيط بها من تأويلات ... وهو العالم
الذي ابدعت في تجسيده الكاتبة البوليسية الرائعة " اجاثا كريستي " .
لقد اختفى الصحافي "
رضا هلال " من منزله في القاهرة قبل اسبوعين بشكل مفاجيء ومثير للحيرة ولم يترك
خلفه اي اثر يمكن تعقبه لحل لغز الاختفاء المفاجيء لصحافي كبير كان يشغل منصب
مساعد رئيس تحرير جريدة الاهرام ... واهتمت الحكومة المصرية بكشف لغز الاختفاء
حتى ان وزير الداخلية نفسه تراس مجموعة البحث عن الصحافي المختفي لان هذا اللغز
- ان لم تجد له الشرطة تفسيرا - سيتحول الى كابوس يطارد كل الكتاب والصحفيين
المصريين الذين قد يتعرضوا للمصير نفسه .
من هنا لم تترك
الشرطة المصرية احتمالا الا ودرسته وحققت فيه .... وشمل هذا - كما علمنا من
الاخبار المتواترة من القاهرة - دراسة تفصيلية لحياة رضا هلال الخاصة وعلاقاته
مع الاخرين حتى ان الشرطة بحثت عن امكانية وجود علاقة بين حادثة الاختفاء
وعلاقة قيل انها ربطت بين رضا هلال وسيدة اسمها " ليلى نجاتي " .
الامر الذي لا جدال
فيه هو ان الشرطة المصرية تتمتع بخبرة واسعة وكبيرة في كشف الجرائم الغامضة وفك
الغازها ومن المؤكد ان لغز " رضا هلال " سيتم كشفه ان اجلا ام عاجلا ... لكن
كثيرين يخشون ان تنتهي التحقيقات الى طريق مسدود وان يكون مصير " رضا هلال "
مثل مصير " منصور الكيخيا " وزير الخارجية الليبي السابق الذي خطف من احد فنادق
القاهرة وتلاشت اثاره ... او مثل مصير " موسى الصدر " الذي طار في زيارة رسمية
الى ليبيا بدعوة من القذافي ولم يخرج منها .
الاحتمالات الشخصية
واردة ... بما في ذلك احتمال ان يكون الزميل قد لقى مصرعه في جريمة عادية من
جرائم القتل التي تقع كل يوم ... لكن الاحتمالات الاخرى ذات البعد السياسي لا
زالت قائمة والا ما معنى ان تطلب الحكومة المصرية رسميا من " الانتربول "
المساعدة في فك لغز اختفاء " رضا هلال " ؟.
خبراء البحث الجنائي
لا يكتفون في عملهم بالادلة المادية لكشف الجرائم وحل الالغاز وانما يلجأون
ايضا الى الادلة المعنوية بما في ذلك دراسة بصمات المجرم الشفوية التي تركها في
مكان الجريمة واعني بها طريقة تنفيذ الجريمة والتوقيت والهدف المحتمل من اختيار
هذا الاسلوب ثم البحث عن الدوافع لاختيار هذه الضحية بالتحديد وانا على ثقة ان
خبراء البحث الجنائي المصري منكبون هذه الايام وفي ظل غيبة الادلة المادية على
دراسة هذا الجانب الذي قد يقودهم الى معرفة المجرم ... او على الاقل على فك لغز
الاختفاء غير المفهوم وغير المبرر لكاتب وصحافي كبير يشغل منصبا هاما في اكبر
واهم جريدة مصرية .
شخصيا لا اعرف " رضا
هلال " وان كنت قد قرأت له الكثير وشاهدته في عدة برامج تلفزيونية وقد خلصت من
حصيلة ما قرأته عنه او له الى ان الرجل اذكى من ان يورط نفسه في قضية
شخصية ذات طابع اخلاقي تفسر لغز اختفائه كما حاولت بعض الجهات ان توحي من خلال
اشارتها الى علاقته بسيدة قيل انها اختفت هي الاخرى .... وبالتالي فأني اميل
الى التفسير الاخر الذي يربط الاختفاء بمكانة الرجل وعمله وكتاباته .
انا على ثقة ان
الجهات الامنية المصرية قد بدأت تراجع جميع مقالات رضا هلال المنشورة قبل
الاختفاء بعدة اشهر لعلها تصل الى طرف خيط يقودها الى جماعة او جهة او دولة قد
يكون لها مصلحة في خطف الزميل او قتله او اخفاءه وهذا احتمال وارد بخاصة في ظل
مجتمعاتنا العربية التي لا تحتمل الرأي والرأي الاخر ... وترتفع النسبة في بعض
الدول التي تحكم بالحديد والنار مثل تونس واليمن وليبيا والمغرب والاردن وسوريا
.... لكنها تقل وقد تتلاشى في دول تتمتع بقدر اوفر من الحرية في التعبير مثل
مصر التي تكاد تكون الدولة العربية الوحيدة التي تنشر في صحفها مقالات ضد رئيس
الجمهورية شخصيا دون ان تعاقب الجريدة بالاغلاق او يعاقب الكاتب بالسجن خلافا
لما هو موجود في الاردن او لبنان مثلا ... حيث يسود قانون يسمى " التطاول على
الذات الملكية " وهو القانون الذي بموجبه تم الزج بأشهر شخصية سياسية في الاردن
" ليث شبيلات " بالسجن مرتين لانه ذكر اسم الملكة نور والملك عبدالله مؤسس
امارة الاردن في محاضرة القاها في احدى الجامعات .
تاريخيا ... حتى زمن
الملك فؤاد والملك فاروق بل وزمن عبد الناصر واجهزة المخابرات في عهده لم نسمع
ان صحفيا مصريا " اختفى " او " تلاشى " هكذا دون سبب .... صحيح ان هناك
اعتقالات وقعت في صفوف الصحفيين ولكنها كانت اعتقالات مبررة بالنسبة للنظام حيث
وجهت للمعتقلين اتهامات بالانتماء لاحزاب او منظمات سياسية ممنوعة بعضها كان
يهدف الى قلب نظام الحكم .... لكن لم يحدث ان " اختطف " صحافي واختفت اثاره حتى
في اكثر الاوقات حرجا في تاريخ مصر فكيف يمكن ان يحدث هذا في هذا الزمن الذي
تنشر فيه مقالات ضد رئيس الجمهورية نفسه دون ان يعاقب الكاتب او تغلق الصحيفة ؟
هذا يقودنا الى "
العامل الخارجي " الذي حاول ادخال هذا الاسلوب في التعامل مع الخصوم الى حياة
المصريين .... بخاصة حادثة الاعتداء على احد المعارضين الليبين اللاجئين الى
مصر في عهد السادات والتي قامت بها مخابرات معمر القذافي وقامت المخابرات
المصرية بأمر من انور السادات باحباطها بل وتصوير العملية بالفديو لكشف الدور
الليبي بخاصة وان المخابرات الليبية وبغباء شديد سارعت الى الاعلان عن نجاح
محاولة الاغتيال اعتمادا على شريط الفديو التمثيلي الذي اعدته المخابرات
المصرية قبل ان يظهر المعارض الليبي امام عدسات التلفزيون ليكشف حجم البلاهة
والغباء التي تتمتع بها مخابرات القذافي .
لا اريد ان اتهم
مخابرات القذافي بخطف "رضا هلال" كما تردد في اوساط بعض الصحفيين المصريين ....
ولكني اردت فقط ان اقول ان اي خبير جنائي لا بد وان يضع في حسابه هذا الاحتمال
بخاصة وان بصمات المخابرات الليبية في العملية تبدو واضحة وهي ذاتها البصمات
التي تركت في مكان الجريمة بعد " خطف " موسى الصدر ... وخطف " منصور الكيخيا "
عدا عن عمليات الاغتيال التي تعرض لها عشرات المعارضين الليبين في الخارج والتي
اعترفت بها المخابرات الليبية ومنها اغتيال محمد
مصطفى رمضان احد اهم المذيعين الليبيين العاملين في اذاعة لندن وقد اغتاله
القذافي يوم الجمعة عقب خروجه من مسجد لندن المركزي في 11 ابريل عام 1980
انتقاما منه لانه وجه للقذافي عدة رسائل مفتوحة دعاه فيها الى احترام حقوق
ورغبات الشعب الليبي واشرف على تنفيذ عملية الاغتيال المدعو موسى كوسا الذي
سيصبح لاحقا احد اهم المجرمين في تاريخ ليبيا المعاصر .
ولكن ... ما مصلحة
مخابرات القذافي في خطف كاتب وصحافي مصري لم يكتب ضد ليبيا من قبل ولم يعرف عنه
انه احد خصومها في الاعلام المصري مثل عشرات غيره من الصحفيين المصريين ومنهم
ثلاثة رفع عليهم القذافي دعوى قضائية قبل اسبوع من اختفاء " رضا هلال " ؟
ان كان القذافي
سيلجأ الى اسلوب الخطف والتصفية الذي اشتهر به فلماذا لم يستهدف خصومه
المعروفين في الاعلام المصري والصحافة المصرية واستبدلهم برضا هلال الذي لا
يمكن وصفه او تصنيفه كخصم للنظام الحاكم في ليبيا ؟
هذا يقودنا الى مثل
مصري قديم .... والى رواية بوليسية شهيرة لاجاثا كريستي من المؤكد ان القذافي
قد قرأها من قبل واسمها " الرسالة الغامضة " .
اما المثل المصري
فيقول :" اضرب الطويل بيخاف القصير " .... و" رضا هلال " هو " الطويل " فهو
مساعد رئيس تحرير اهم جريدة مصرية .... اما " القصير " فهو مجموع الصحفيين
المصريين المعارضين للقذافي او الذين عرفوا بمعارضتهم له وهم كثيرون .
ما علاقة هذا برواية
" اجاثا كريستي " انفة الذكر ولماذا هذا التوقيت بالذات ؟ وما هي المواصفات
التي يتمتع بها " رضا هلال " حتى يتم اختياره ليكون " الهدف " وما هي النتائج
التي يمكن ان تحققها مخابرات معمر القذافي من خطف او قتل " رضا هلال " ؟
هذا هو موضوع مقالي
القادم الذي سينشر بعد يومين .... فانتظروه.
للمزيد عن ليبيا انقر هنا
|