|
From : abu ali <say300030@hotmail.com>
Sent : Sunday, May 30, 2004 4:30 AM
To : <arabtimesnewspaper@hotmail.com>
Subject : الكارما
الكارما السورية، طبعة ناقصة ومدجنة
زياد ابو حسن
خاص بعرب تايمز
تمر سوريا بحراك سياسي بدأ منذ عدة سنوات على يد قلة من المثقفين والناشطين
المهتمين بالشأن العام، عندما رموا حصاة صغيرة في بحيرة السياسة الراكدة، عملت
الداوئر المتولدة على خض المجتمع السوري، كانت الاستجابات متفاوتة، إذ أجبرت
التحولات التي تمر بها سورية خاصة و المنطقة عامة الناس على البحث عن أجوبة
تحقق لهم التوازن، و تساعدهم على تحديد موقعهم وطريقة تعاملهم مع تلك التحولات.
انخفضت عتبة الحذر، وتحولت الهمهمات إلى كلمات مفهومة، بدأت الكلمات تزعج
السلطة التي بادرت إلى التصدي لتلك الظاهرة بتدابير مباشرة و أخرى غير مباشرة.
من التدابير المباشرة على سبيل المثال لا الحصر: اعتقال ناشطين سياسيين، وإغلاق
المنتديات الثقافية، ومضايقة أعضاء اللجان المطالبة بالمجتمع المدني.
أما التدابير غير المباشرة فكانت بإعطاء إجابات ظاهرها مستقل وباطنها مدجن، عن
طريق خلق وتشجيع تيارات دينية، تدعو إلى القبول بالواقع السياسي أولاً
والاقتصادي ثانياً، كنوع من التسليم للقدر الحكيم الذي لا مناص منه، موجهة
الناس إلى سلوك طريق الخلاص الفردي بديلاً عن الجماعي.
آخر صيحة معلنة في هذا المجال كانت مذهب الأحدية أو وحدة الوجود، التي لا تعتبر
الخالق ذاتاً مفارقة للكون، وإنما ذاتاً مندمجة في كل جزء من الكون، وتتحقق
العدالة في هذا المذهب الديني بطريقة ميكانيكية بواسطة مبدأ أساسي ومحوري فيه
هو الكارما: حكم السبب على النتيجة، أي أن طبيعة أعمالك في حياتك الماضية هي
التي تحدد ظروف ولادتك الحالية عن طريق التقمص، داخلاً في سلسلة من التقمصات
المتتالية التي تعطيك أكثر من فرصة لتنقية روحك من الشرتماماً، عندها تتمكن من
الإ نعتاق من سلسلة التقمصات لتعيش نوعاً من الخلود.
أنوه هنا أني لست بصدد إصدار حكم قيمة على هذا المذهب الديني، لأني كما لا أسمح
لأحد أن يطفىء روحانيتي بادعائه امتلاك الحقيقة المطلقة، أيضاً لا أسمح لنفسي
بإطفاء روحانية الآخرين بادعائي امتلاك الحقيقة المطلقة، لأن الحقيقة الوجودية
نسبية بطبيعتها.
ما سأتناوله بالكتابة هنا هو لمحة سريعة عن البدايات، مناطق الانتشار، آلية
العمل، من أجل الكشف عن الحلة الجديدة للارتباط المؤدلج بين السلطة والدعاة
الجدد للمذاهب الدينية.
تاريخياً تعود البدايات الأولى لهذا المذهب إلى شبه القارة الهندية، حيث عزز
ملوكهم هذا المذهب و خاصة الجزء المتعلق بالعدالة الكونية الميكانيكية أي
الكارما، من أجل ترسيخ النظام الطبقي الجائر في الهند، فحسب هذا المبدأ يكون
الإنسان مولوداً في الطبقة الفقيرة و المحرومة لأن أعماله في الحياة الماضية هي
علة ولادته في الطبقة الفقيرة و المحرومة دون غيرها، و ذلك محاولة منهم للتغطية
على الأسباب الحقيقة للتفاوت الطبقي.
جاء الإسلام وتداخلت عقائده مع عقائد مذهب وحدة الوجود، وظهرت مذاهب تمزج بين
الاثنين منتشرة في بعض البلاد الإسلامية و العربية.
ظهر مؤخراً في سوريا من يعمل على رفع السرية عن مذهب وحدة الوجود و إعادة نشره،
بعد تزويده بنظام غذائي يدعى الماكروبيوتيك، القادم من بلدان شرق آسيا، مدعياً
أن الكارما علاج الروح، و الماكروبيوتيك علاج الجسد، ولجأ إلى الاستشهاد بالعلم
على غرار أصحاب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والإعجاز العلمي في العهدين
القديم والجديد، عملاً بالمثل القائل } ما حدا أحسن من حدا { .
غاب عن ذهنهم و ذهن نواف الشبلي أن المعجزة هي خرق للقانون الطبيعي لتعزيز حضور
القدسي المتعالي، وهي تفقد معناها وجدواها عندما تتمسح بالعلم وتغزل على
منواله. لأن تمسح، أو تفسير الديني بالعلمي ليس إلاعملية ترجمة قبيحة من لغة
مغلقة نحبس فيها الديني، إلى لغة مختزلة نتصور أنها العلم النهائي، فتكون
النتيجة هي اختزال حركية المبدأ الديني الملهم، وحبسه في سجن لغة جامدة وعلم
زائف في آن.
وهكذا يتم اختزال المعطيات الروحانية إلى ما شاع أنه العلم، وهم بذلك لا
يختزلون العلم فحسب ولا يمتهنونالدين فحسب، بل إنهم يعبثون في تكوين وعي ناسنا
وأمتنا.
طبيب الأسنان نواف الشبلي هو من أخذ على عاتقه إحياء الكارما بطبعتها السورية،
متسلحاً بالعلم على حدزعمه، ناسياً أن الإيمان مكانه القلب لا العقل، و أن وحدة
قياسه هي القبول وليس الصح و الخطأ الخاص بالعلم.
بدأ النشاط في محافظة السويداء وبعض أحياء دمشق و المنطقة الساحلية خصوصاً،
معتمدا على التشابه الكبير بين المعتقدات الدينية السائدة في تلك المناطق وبين
مذهب وحدة الوجود.
ما ُيقلق هنا ليس محاولة إحياء المذهب من جديد، لأنه موجود أصلاً، وليس النظام
الغذائي، لأن النظام الغذائي النباتي صحي بغض النظر عن ادعائهم المبالغ فيه،
المقلق هو محاولة دس السم في الدسم، إذ أن أفضل وسيلة لممارسة الشر على الجموع
هي لبس لباس الفضيلة.
يعمل الطبيب نواف على تمرير مفاهيم تعزز الخنوع و الاستسلام للأوضاع المتردية
في سوريا على كل الأصعدة، ُيغيب الفاعل الحقيقي، وُيحمل الناس وحدهم مسؤلية
أوضاعهم المترد ية.
هذ ا يحد ث في محاضرا ته التي تقام تحت إشراف وزارة الثقافة وفرع حزب البعث في
اللاذقية، التي يدعوفيها إلى عد م مخالفة قوانين الطبيعة وقوانين البلد –
السلطة، وعدم العمل على تغييريهما مهما كانت جائرة،لأ نه حسب الكا رما سوف
يلحقنا أذى، ودعى إلى القبول بالواقع الذي يعيشه المواطن على الصعيد السياسي
والاقتصادي والصحي والتعليمي.......الخ مهما كانت د رجة السوء، وعد م تحميل
الحكومة و مؤسساتها أية مسؤولية، ذ لك أن أفعال الناس في الحياة الماضية هي
التي تحد د أوضاعهم وظروفهم في الحياة الحالية، وليس الفساد المستشري في
المؤسسات الحكومية.
وحث الناس على سلوك طريق الخلاص الفردي والعمل على تحسين الذات فقط كوسيلة
لتحسين الأحوال، يريد أن يقنعنا أن الخلاص الجماعي خيار خاطىء. وأن التلازم بين
العمل على تغيير الذات والعمل على تغيير الواقع تلازم غير مشروع.
ثم نصحنا بعدم التجمهر، لأن التجمهر حسب رأيه يولد طاقات سلبية تضر البلد
والناس، يبدو أن ذاكرة الطبيب انتقائية لأنها لم تسعفه بتذكر المهاتما غاندي،
الذي لا يستطيع طبيبنا المزاودة عليه بالتمسك بمذهب وحدة الوجود و الكارما،
استطاع غاندي عن طريق التجمهر و العصيان المدني تحرير الهند من المستعمر
البريطاني،أراد غاندي أن يعلمنا أن التجمهر هو أحد أهم طرق حصول الناس على
حقوقها وتصحيح أوضاعها، و أن التجمهر مثله مثل أي فعل يقوم به الناس، يمكن أن
نستعمله لفعل الخير أو الشر، أما الطبيب نواف فإنه يؤثم التجمهر بالمطلق، وهذا
دليل على الاتفاق المبيت أو الضمني بين الطبيب نواف والسلطة، الهدف منه توجيه
الحراك السياسي والإجتماعي في سوريا باتجاه لايضر السلطة و بنفس الوقت يقدم
أجوبة ظاهرها روحاني د يني وباطنها سياسي، من أجل أن يحقق لبعض الناس توازن
زائف ومؤقت وسط تيارات الفوضى وحالة عدم الاستقرار التي ولدتها التحولات
الجديدة في العالم عامة وسورية خاصة مضافا إليها القهر اليومي.
غير منتبهين للنفق الموجود دائما تحت الحلول المؤقتة، والذي سيجذبهم إليه كما
يجذب الوحش الجميلة في الحكايات القديمة.انطلاقا من الاتفاق السالف الذكر يقوم
الطبيب نواف بتوزيع ورقة على مريديه تشيد بسرعة تقبل الناس لدعواه في المنطقة
الساحلية، ويبرر فيها احتكار عائلة بعينها للحكم بأنه عدلاً خصوصياً وحكمةً
كونيةً خالصة،عدلاً ُيستعمل بشفرة سرية، وُيمارس بقواعد ولغة ليس في مقدور
المظلوم أن يفهمها.
يبدو أننا مبتلون في زمن الهزائم المستمرة بمن يدعي امتلاك الحل الوحيد والأكيد
على غرار الإسلام هو الحل، الماركسية هي الحل، القومية هي الحل، والآن الكارما
هي الحل، ونحن هنا لاندين الأديان والفلسفات وإنما ندين المتلاعبين بها لصالحهم
وصالح الحكومات دوناً عن خلق الله، ونقول لهم أن كل شعار مختزل يساوي وهم
مختزل.
أخيرا ندعوالداعية نواف إلى العودة لمهنته الأساسية كطبيب أسنان، لعل ضرره
الواقع على الناس يصبح أخف.
|